الزمان - 2/19/2026 12:08:54 AM - GMT (+3 )
كفر عبد الله عزيزة (مصر) (أ ف ب) – بعد فترة من مغادرة حمدي إبراهيم قريته في مصر على أمل الوصول إلى أوروبا، تلقت عائلته مكالمة مروِّعة من أحد المهربين في ليبيا مفادها “ادفعوا الآن وإلا سيموت ابنكم”.
طالب المهرب العائلة بمبلغ 190 ألف جنيه مصري (حوالى 3500 يورو) لضمان تهريب إبنهم عبر البحر في رحلات خطرة، كان المصريون في عام 2025 في صدارة المهاجرين الأفارقة الذين غامروا خلالها ليصلوا إلى السواحل الأوروبية.
ويقول يوسف شقيق حمدي في قرية كفر عبد الله عزيزة، في دلتا النيل بمحافظة الشرقية لوكالة فرانس برس “أجبته بأننا لا نملك المال الكافي”.
واضاف “أجابني المهرب: افعلوا مثل فعلت العائلات الأخرى. ادفعوا وإلا سيتم إلقائه في عرض البحر”.
غادر حمدي عائلته وبلده في تشرن الثاني/نوفمبر، مع اثني عشر شابا آخرين من القرية، بعد أن تواصلوا مع مهربين في ليبيا عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
بعد ذلك بوقت قصير، تلقت العائلات مكالمات هاتفية من أشخاص في ليبيا يهددونهم بأنهم إذا لم يدفعوا الفدية، سيتم “ذبح أبنائهم أو تركهم في الجبال أو إلقائهم في عرض البحر”، كما يروي عبد جودة (55 عاما) الذي كان شقيقه محمد ضمن تلك المجموعة.
وبعد ان أصابتهم حالة من اليأس، ضحى الأهالي بمدخراتهم الضئيلة واقترضوا المال، قبل أن يعلموا بعد بضعة أسابيع أن قاربا غرق قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية، ما أسفر عن مقتل 17 شخصا، بينهم ستة من أبناء القرية، وفقدان 15 آخرين، بينهم حمدي ومحمد.
في عام 2025، عبر أكثر من 17000 مصري البحر الأبيض المتوسط، وهو الطريق الأخطر في العالم بالنسبة لرحلات المهاجرين، حيث سجلت 1328 حالة وفاة أو فقدان من مختلف الجنسيات، وفقا للوكالة الأوروبية لمراقبة حدود لاتحاد الأوروبي بهدف منع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر (فرونتكس) والأمم المتحدة.
أدى انخفاض قيمة العملة والتضخم إلى تدمير الأسر المصرية التي كانت تعيش في الأصل في ظل ظروف إقتصادية غير مستقرة، ما أدى إلى تفاقم آفاق المستقبل في بلد نصف سكانه دون ثلاثين عاما.
في قرية عبد الله عزيزة، تنقل قنوات الري المتصدعة قطرات الماء إلى الحقول الجافة فيما تتعثر العربات على الطرقات المتهالكة وتنتشر المباني غير المكتملة بين قطع الأرض الخصبة القديمة حيث تعيش العائلات على التجارة الصغيرة أو العمل اليومي.
التقت وكالة فرانس برس بأقارب المفقودين في أحد منازل القرية، حيث كان السكان يعرضون على مجموعات الواتساب والفيسبوك على هواتفهم وجوها غير واضحة ومعلومات غير مؤكدة.
– انعدام الأمل –
يقول صيدلي القرية رفعت عبد الصمد (40 عاما) إن “نصف شبابنا يفكرون في الهجرة غير الشرعية”.
منذ 2022، فقد الجنيه المصري أكثر من ثلثي قيمته، وزاد سعر الخبز ثلاث مرات، وسعر الوقود أربع مرات.
في تلك السنة، كان المصريون من بين أكبر المجموعات التي اندفعت نحو الهجرة غير الشرعية، حيث سجلت الأمم المتحدة وصول أكثر من 21 ألف مهاجر مصري إلى سواحل أوروبا.
ويوضح تيموثي كلدس، نائب مدير معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط (TIMEP)، لوكالة فرانس برس بأن “اليأس والانهيار الاقتصادي يلعبان دورا حاسما”.
ويؤكد شقيق حمدي بأنه كان يعمل سباكا ويكسب نحو 500 جنيه مصري (10 دولارات) في الأسبوع لذلك “كان يريد تحسين مستوى معيشتنا”، ودائما ما “كان يكرر القول: أريد مساعدتك في تزويج أختنا”.
وبحسب نور خليل، المدير التنفيذي لمنصة “اللاجئون المصريون” إنه منذ أن شددت مصر في عام 2016 الرقابة على سواحلها، يغادر المهاجرون من الغرب، عبر ليبيا بعد عبور الصحراء في حافلات أو شاحنات صغيرة في رحلات تعد “أكثر خطورة”.
وتفيد منظمة الإغاثة “أس أو أس ميديتيرانيه” أن الناجين يؤكدون تعرضهم “لاعتقالات تعسفية وتعذيب واغتصاب واستعباد جنسي وحرمان من الطعام وأعمال قسرية”.
في عام 2024، أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقية للتنمية الاقتصادية بقيمة 7,4 مليار يورو مع مصر للحد من تدفق المهاجرين. لكن كلدس يقول إنه لكي يكون للرقابة على الحدود معنى، “يجب أن يشعر الناس بالأمان في وطنهم”.
ويؤكد خليل أنه في جميع أنحاء مصر، صارت الهجرة تمثل “هدفا”، حتى بين الخريجين. “أولئك الذين يمكنهم المغادرة بشكل قانوني يفعلون ذلك، أما الباقون فيضطرون إلى اللجوء للطرق غير الشرعية، حتى لو كانت الرحلة تنطوي على مخاطر شديدة”.
– “سأفعل ذلك مرة أخرى” –
في قرية كفر مصطفى أفندي، وهي قرية أخرى في محافظة الشرقية، ما زالت العائلات تبكي أبناءها الذين قضى العشرات منهم إثر غرق سفينة الصيد المتهالكة أدريانا قبالة سواحل اليونان في حزيران/يونيو 2023.
ومن بين حوالي 750 راكبا كانوا على متن السفينة، نجا 104 فقط، وفق الأمم المتحدة. وهناك دعاوى قضائية ضد خفر السواحل اليوناني بتهمة الإهمال.
كان إسلام وسيد، وهما ابناء عم يبلغان من العمر 18 عاما، على متن ذلك الرحلة. وجمعت عائلتاهما 140 ألف جنيه (2500 يورو) للمهربين، حسبما أفاد ابن عمهما عبد الله غانم وكالة فرانس برس. ويقول عبدالله إنه “في ذلك الوقت، كان الناس يستقلون الحافلات الصغيرة إلى ليبيا بنفس السهولة التي يستقلونها للذهاب إلى أي مدينة مصرية أخرى”.
ومع ذلك ورغم المخاطر ينجح البعض في الوصول إلى الضفة الأخرى مثل حسن درويش، العامل الذي يبلغ من العمر 24 عاما، والذي غادر الشرقية في عام 2023، بعد أن “ضاقت في وجهه الدنيا”.
ويعيش حسن اليوم في روما، ويقول إنه يكسب حوالي 580 يورو شهريا، ويوفر بذلك احتياجات والدته وشقيقه المريض، وهو ما “لم يكن ممكنا أبدا في مصر”.
ويقول حسن لوكالة فرانس برس “لقد قاسيت الأهوال… ولكنني رغم ذلك على إستعداد لأن أفعل ذلك مرة أخرى”.
إقرأ المزيد


