الانسداد الكردي العابر للحدود.. لماذا يصر الإقليم على تصدير "أزمة تشكيل الحكومة" إلى بغداد؟
هذا اليوم -

بغداد اليوم – بغداد

منذ سنوات، يعيش إقليم كردستان بلا حكومة مكتملة الصلاحيات، فيما تواصل الأحزاب الكردية حضورها الثقيل في بغداد عند كل استحقاق اتحادي كبير، من رئاسة الجمهورية إلى شكل التحالفات التي تُنجب الحكومات. المفارقة أنّ الحزبين اللذين لم ينجحا حتى الآن في إغلاق ملف الحكومة داخل الإقليم، يُطلب منهما اليوم أن يسهّلا، لا أن يعرقلا، تشكيل حكومة اتحادية جديدة في بغداد.

هذا التناقض يفتح سؤالًا سياسيًا بسيطًا ومباشرًا: إذا كان البيت الكردي نفسه عاجزًا عن إنتاج حكومة في أربيل منذ سنوات، فهل يمكن أن يتحوّل الانسداد الداخلي إلى عامل إطالة لأمد التفاهمات في المركز أيضًا؟

في حديث خاص لـ"بغداد اليوم"، يقول الباحث في الشأن السياسي ياسين عزيز إنّ "علاقات الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان تشهد تطورًا إيجابيًا واضحًا"، مشيرًا إلى أنّ اجتماعي الأربعاء قبل الماضي والأربعاء الماضي "شكّلا خرقًا مهمًا بعد فترة من الانقطاع والتوتر بين الجانبين".

ياسين لا يتحدث عن "معجزة سياسية"، بل عن تغيير في درجة الحرارة: فتور طويل، ثم اجتماعات متقاربة توحي بأنّ شيئًا يتحرك، ولو ببطء. يربط هذا الحراك بعاملين رئيسيين: شخصيات أكثر تفهّمًا لطبيعة العمل الدبلوماسي داخل الوفود، ومتغيّرات إقليمية قاسية تجعل استمرار القطيعة ترفًا سياسيًا لم يعد ممكنًا تحمّله.

بحسب عزيز، الاجتماع الأخير لم يكن بروتوكوليًا فقط، بل تضمّن "لقاءات فرعية وثنائية" ساعدت في خلق أجواء أكثر هدوءًا بين قيادات الحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني، مع تركيز خاص على ملفين عالقين يثقلان المشهد الكردي: منصب رئاسة الجمهورية في بغداد، وتشكيل حكومة الإقليم في أربيل.

الرسالة الضمنية هنا أنّ الحزبين يناقشان، في الوقت نفسه، مستقبلهما في الإقليم ودورهما في المركز. أي تعثّر في أحد الملفّين يمكن أن ينعكس تلقائيًا على الآخر، والعكس صحيح. وهذا يعني عمليًا أن بغداد ليست بعيدة عن أزمة أربيل، حتى إن بدت الاجتماعات هذه المرة أكثر هدوءًا.

ياسين عزيز يذكّر بأنّ مرحلة ما بعد رحيل مام جلال تركت فراغًا رمزيًا وسياسيًا في منصب رئاسة الجمهورية، وأنّ شخصيات عدّة طُرحت لاحقًا لهذا الموقع "مع كامل الاحترام لها"، لكن الشارع الكردي، كما يصفه، ما زال يتطلّع إلى "شخصية قوية ذات كاريزما وتأثير، قادرة على حماية الدستور وصون مصالح الإقليم، في ظل صلاحيات دستورية ليست شكلية كما يُروَّج لها أحيانًا".

من زاوية الحزب الديمقراطي الكردستاني، يضيف عزيز، تبدو معادلة المنصب أكثر وضوحًا: يجب أن يذهب إلى شخصية لديها خبرة سياسية ودبلوماسية وتجربة راسخة، تتيح لها التعامل مع لحظة عراقية وإقليمية معقدة. حتى لو لم يتحقق هذا الطرح بالكامل في الدورة الحالية، بسبب الأعراف السياسية وتداخل المصالح والتحالفات، فإن مجرّد الإصرار على طرحه "يُعتبر تحديًا مهمًا داخل البيت الكردي نفسه"، ويفتح نقاشًا أوسع حول من يحتكر تمثيل الكرد في المواقع السيادية.

في هذا السياق، يبرز الاتفاق على تشكيل مجلس سياسي كردي بوصفه محاولة للخروج من "احتكار مقنّع" للمنصب من قبل طرف واحد. عزيز يرى في هذا المجلس "خطوة مهمّة لإنهاء احتكار بعض الأحزاب لهذا الموقع، وفتح الباب أمام إجماع كردي أوسع، يضمّ الحزبين الرئيسيين وبقية القوى في الإقليم، لاختيار شخصية قوية ومؤثرة تمثل الكرد في الدولة العراقية".

مع ذلك، تبقى عقدة الزمن حاضرة: الاجتماعات تتكرر، الصيغ تُناقَش، والبيانات تتحدث عن "أجواء إيجابية" و"خرق نوعي" و"تفاهمات مبدئية"، لكن حكومة الإقليم ما زالت بعيدة عن التشكيل، فيما مسار التفاهمات في بغداد يحتاج إلى قرارات نهائية لا إلى إشارات فقط.

الخشية التي يلمّح إليها مراقبون في بغداد، وإن لم يقلها ياسين عزيز بهذا الوضوح، هي أن يستمر المشهد الكردي في إنتاج "تفاهمات بلا حكومات"، وأن تنعكس هذه الحالة على الاستحقاق الاتحادي المقبل. عندها لن تكون الأزمة أزمة أربيل وحدها، بل أزمة تشكيل حكومة في بغداد أيضًا، تُعلّق على حبال الخلاف الكردي – الكردي لسنوات أخرى، كما عُلِّقت حكومة الإقليم من قبل.

بين اجتماعات لا تنقطع وواقع لم يتغيّر بعد في الإقليم، يتكرّس نمط سياسي يقوم على تدوير العناوين نفسها من دون حسم الملفات الكبرى: لا حكومة داخلية مكتملة في أربيل، ولا توافق نهائي ومستقر في بغداد. ومع كل جولة تفاوض جديدة، تتقدّم خطوة على مستوى التصريحات، لكنّ الزمن يمضي فيما تبقى حكومة الإقليم معلّقة، وتظلّ معادلة تشكيل الحكومة الإتحادية رهينة حسابات البيت الكردي. في حصيلة هذه السنوات، تبدو "الأجواء الإيجابية" من دون قرارات حاسمة مجرّد وصف لطاولة مفاوضات مفتوحة، أكثر ممّا هي بداية فعلية لإنهاء الانسداد في أربيل وبغداد معاً.

تقرير: محرّر قسم الشؤون السياسية في "بغداد اليوم"



إقرأ المزيد