الزمان - 2/5/2026 10:36:47 PM - GMT (+3 )
مروان ياسين الدليمي
أتوكا على عكازة
كأنها ذراع الوقت حين يشيخ.
الألم
شخص يجلس قبالتي في المقهى
يدخن من صدري
ويضحك كلما حاولت النهوض.
المدينة تمشي أبطأ من المعتاد
الأرصفة تتنحنح تحت قدميّ
والشجر يربت على كتفي
كصديق يعرف أن النصيحة لا تنفع.
العكازة ليست خشبا.
إنها ذاكرة طويلة
تتذكرني أكثر مما أتذكر نفسي.
الحياة
هذه النادلة المتعبة
تسكب لي كأسا من الضوء
ثم تعتذر عن الكسر في أسفل ظهري.
أسمع الألم بطعم الملح
وأرى الصمت وهو يعرج
وألمس الضحكة باردة
كعملة منسية في الجيب.
أمزج سخريتي بالمسكنات
أضحك كي لا أبكي
وأبكي لأن الضحك
لم يعد يقف وحده.
في المِرآة
أرى رجلا يشبهني
يحاول أن يتذكر
كيف كانت الموسيقى تصلح لكل شيء.
أنا
لم أعد أستمتع بالحياة كما كانت
ولا بقي لي إلا أن أساير الخطوة
وأدع الليل يتكئ عليّ أيضا.
ذاكرتي تمشي بلا عكازة
تسبقني دائما
وتلوح لي من زوايا لم أعد أصلها.
لكن النسيان
هذا اللص الأنيق
يعيد ترتيب الغرفة
ويترك لي الفوضى كدليل ملكية.
أصدقائي القدامى يجلسون في رأسي
يغنون بصوت جماعي
وأنا وحدي أخرج عن الإيقاع.
التاريخ يطرق ظهري كأنه باب قديم
يسألني عن اسمي
فأجيبه باسم مستعار.
الشارع يعرفني لكنه لا يتوقف.
يمضي
كما تمضي الأغاني
بعد منتصف الليل.
الألم يكتب مذكراته على جسدي
سطرُ ألم
سطرُ أمل مؤجل
وسطرٌ ساخرٌ
يضحك من الفاصلة.
أشم الماضي كرائحة قهوة باردة
وأتذوق الغد
كقرص مسكن ذائب في الانتظار.
العكازة تعلمت المزاح
تطرق الأرض كما لو كانت تقول:
اهدأ
لسنا في سباق.
أما أنا
فأقول لنفسي:
الحياة نكتة ثقيلة الدم
لكنها الوحيدة
التي تحفظني عن ظهر ألم.
أمشي الآن
كما تمشي الفكرة حين تتعب
بلا استعجال
وبلا وعد بالوصول.
العكازة
صارت شريكتي في السكن
تنام قرب السرير
وتستيقظ قبلي لتطمئن على الأرض.
أحيانا
تعود الحياة كضحكة ناقصة
أقبلها كما هي بأسنان مكسورة.
الألم بات يشيخ معي
يفقد حدته
ويكسب خبث الحكمة.
فنوقع كل مساء هدنة قصيرة .
أتعلم أن أستمتع بأشياء صغيرة:
ظل نافذة
اغنية قديمة لا تفرض التفسير
هديل حمامة
كأس شاي لا يَسأل.
الزمن
كلب أليف
يضع رأسه على ركبتي
ويطلب المداعبة.
أضحك من المفارقة وأقول ساخرا:
حتى السقوط له إيقاع
حين نتعلم الإصغاء.
اليوم
انزلاق غضروفي يكتب الشعر عني.
يجلس في ظهري ككاتب ظل
يشحذ قلمه من عظامي
ويطلب صمتا إضافيا.
الألم ليس ألما.
إنه موظف دقيق
يختم النهار بختم بارد
ويعيدني إلى الطابور.
النافذة تتنفس بصعوبة
الهواء يعرج
والشمس تضع ضمادة على كتفها.
أسمع الوجع بلون رمادي
وأتذوق الضوء كحبوب مسكنة.
الشارع يتثاءب
والأشجارتميل برؤوسها
كأنها تعرف ما لا أقوله.
ذاكرتي تمشي أمامي
تلوح لي ولا تنتظر.
أما النسيان فيجلس خلفي
ويملي عليّ ما أنسى.
أضحك
لأن السخرية
هي الوضعية الوحيدة التي لا تؤلمني.
اليوم
أنا لا أكتب القصيدة.
بل هي التي تكتبني من أسفل الظهر.
الوقت يبدل وضعيته
يستلقي مثلي ويحدق في السقف.
الساعة تسعل
وعقاربها تتحرك بحذر
كأنها تخاف إيقاظ الألم.
التاريخ يمر من هنا
يحني ظهره احتراما
أو خوفا من العدوى.
الجسد أرشيف مفتوح
كل حركة وثيقة
كل تنهيدة هامش.
أشم الماضي
كرائحة مطر قديم
وألمسه باردا
كحجر احتفظ بالظل.
النسيان طبيب متعب
يصف لي النوم ولا ينتظر الشفاء.
الذاكرة
ممرضة ساهرة
تعدل الوسادة
وتنسى أن تطفئ الضوء.
سريري
خريطة صغيرة للعالم
وفي أسفل ظهري
تتخاصم القارات.
أسمع الأخبار من عظامي
الحروب تحدث بصمت
والسلام يطلب إجازة مرضية.
أضحك ثانية
لأن الألم جديّ أكثر من اللازم
ولأن السخرية
تخفف الوزن عن العمود الفقري .
أستيقظ أخفّ
ليس لأن الألم غاب
بل لأنه تعلم اسمي.
القصيدة تمشي ببطء
تتوكا عليّ
نتبادل الدور
كي لا نسقط معا.
النافذة تفتح عينها
الصباح يمد لي يده ولا يستعجل.
أتعلّمُ
من الجسد فن التباطؤ
من الألم بلاغة الصمت
ومن السخرية أخلاق النجاة.
الذاكرة والنسيان يتصافحان أخيرا
يتركان لي مساحة كافية للتنفس.
العالم يستمر بضجيجه المعتاد
وأنا أواصل نسختي البطيئة من الحياة.
اليوم
انزلاق غضروفي لا يكتب الشعر عني فقط
بل يذكرني
أن الوقوف ليس دليلا على النجاة
وأن المشي حتى لو كان متعثرا
شكل آخر من الحكمة.
في النهاية
أنا لا أستعيد حياتي
ولا أخسرها تماما.
أكتب كي أمشي
وأمشي كي أتذكر
أنني ما زلت هنا.
إقرأ المزيد


