إضافة لخطر توطين الدواعش في بغداد.. "ولاية خراسان-داعش" ستجوب بشوارع العاصمة قريبا- عاجل
هذا اليوم -

بغداد اليوم – بغداد

منذ يوم امس يتبادر إلى أذهان العراقيين سؤال واحد: هل لنقل الدواعش إلى العراق علاقة بانتحاري الرمادي؟ السؤال يختزل هواجس متراكمة: من جهة، بدأت طائرات عسكرية تنقل دفعات من معتقلي تنظيم داعش من سجون شمال شرق سوريا إلى "مواقع آمنة" داخل العراق، في واحدة من أكبر عمليات الترحيل لهذا النوع من السجناء منذ سقوط "الخلافة". ومن جهة أخرى، أحبطت الأجهزة الأمنية محاولة انتحارية في ضواحي الرمادي، بعد القبض على شخص يرتدي حزامًا ناسفًا قبل أن ينفذ هجومه. بين الحدثين، نشأ شعور عام بأنّ العراق يعود تدريجيًا إلى قلب لعبة "داعش الدولي" لكن هذه المرة مع توطين الخطر داخل حدوده، وربما داخل بغداد نفسها.

سجون في قلب العاصمة.. لماذا يخاف العراقيون من توطين الدواعش في الداخل؟

جوهر القلق الشعبي لا يقف عند فكرة "استقبال" سجناء داعش، بل عند نوعية هذا الاستقبال وطبيعته: آلاف من مصنّفي "الأشد خطورة"، بعضهم عراقيون، وكثير منهم أجانب، يُنقلون من سجون منهارة في شمال شرق سوريا إلى سجون عراقية قد تكون في بغداد أو في محيطها، ضمن منظومة سياسية وأمنية ما تزال تعاني من الانقسام والاختراق والفساد.

ذاكرة العراقيين مثقلة بتجربة سابقة: قبل اقل من عقد، تحولت السجون نفسها إلى جزء من المشكلة، لا من الحل. عمليات "كسر الجدران" و"هروب السجناء" كانت مقدمة حاسمة لصعود تنظيم داعش وسيطرته على الموصل ومساحات واسعة من البلاد. يومها، لم يكن في العراق آلاف من مقاتلي التنظيم القادمين من خارج الحدود، بل شبكات محلية نجحت في استثمار ثغرات أمنية وإدارية وقضائية.

اليوم، حين يسمع العراقي أنّ سجناء "القوائم السوداء" سينقلون من مخيم الهول وسجون الحسكة إلى "منشآت عراقية"، يتبادر إلى ذهنه فورًا سؤالان اثنان:

الاول: اين ستوجد هذه المنشآت؟ وهل ستكون في أطراف بعيدة ومحكمة الحماية، أم بالقرب من بغداد وباقي المدن الكبرى؟

الثاني: من يضمن ألّا تتحول هذه السجون، مع الزمن، إلى "مركز ثقل" جديد للتنظيم؛ سواء عبر هروب جماعي، او عبر إعادة إنتاج قيادات عقائدية داخل الزنازين، او عبر استخدامها كورقة مساومة بين قوى داخلية وخارجية؟

توطين معتقلي داعش في سجون داخل العراق، بما في ذلك مواقع قريبة من بغداد، يعني أنّ البلاد تتحمل فجأة عبء "المركز" بعد أن كانت لعوام طويلة تعاني من كونها "ساحة". وهذا الانتقال من الساحة إلى المركز هو ما يجعل التوجس الشعبي مفهومًا، حتى قبل الدخول في تفاصيل الحدث الأمني في الرمادي.

انتحاري الرمادي.. إنجاز استخباري ام جرس إنذار؟

حادثة الرمادي نفسها حملت رسائل متناقضة في نظر الشارع. من جهة، بدت العملية مثالًا على تطور العمل الاستخباري: رصد مبكر لتحركات مشتبه به، تطويق محكم، اعتقال انتحاري يرتدي حزامًا ناسفًا قبل أن يدخل إلى مطعم شعبي مكتظ، ثم تفكيك الحزام من دون سقوط ضحايا. من جهة اخرى، شكلت تذكيرًا صادمًا بأنّ "الانتحاري" ما يزال موجودًا، وأنّ المحافظات التي تحررت من داعش ليست مغلقة تمامًا في وجه خلاياه النائمة.

الخبير في الشأن الأمني اللواء جواد الدهلكي يؤكد في حديثه لـ"بغداد اليوم" أنّ ما جرى في الرمادي "إنجاز أمني مهم يندرج ضمن العمل الاستخباري الاستباقي"، مشيرًا إلى أنّ إحباط العملية قبل تنفيذها يعكس "تطورًا ملموسًا" في قدرات الرصد والمتابعة، خصوصًا في المحافظات التي شهدت سابقًا نشاطًا للتنظيمات الإرهابية.

لكنّ الدهلكي، في المقابل، يحذّر من القفز إلى استنتاجات جاهزة تربط مباشرًة بين انتحاري الرمادي وبين ملف نقل سجناء داعش من سوريا، موضحًا أنّ أي ربط من هذا النوع يحتاج إلى "أدلة استخبارية موثوقة"، مثل وجود اتصالات ثابتة أو تنسيق عملياتي مثبت، وهي أمور لا يمكن الجزم بها قبل انتهاء التحقيقات الرسمية.

بهذا المعنى، يحاول الصوت الأمني المهني أن يضع حدودًا فاصلة بين حادثة محددة في الرمادي، وبين ملف أوسع بكثير يتعلق بسجون وسجناء وخرائط إقليمية. لكن بالنسبة للمواطن، تظلّ الصورة متداخلة: انتحاري في الغرب، وسجناء في الطريق من الشمال الشرقي، وحديث متزايد عن حدود شرقية تهتزّ.

ولاية خراسان: الرهان على "ثبات" إيران

على الضفة السياسية، يذهب النائب محمد الكربولي إلى ما هو أبعد من سؤال العلاقة المباشرة بين الرمادي ونقل السجناء، باتجاه خريطة تمتد من سوريا إلى إيران فإلى أفغانستان.

من خلال تعريبه إلى الفصحى، يمكن تلخيص جوهر ما طرحه الكربولي في النقاط الآتية:

يشير إلى أنّ التركيز العسكري والأمني الكبير على الجبهة السورية، من خلال وجود الحشد وقوات أخرى في هذا الاتجاه، يترك سؤالًا معلّقًا عن الجبهة الشرقية: ماذا لو تعرض النظام في إيران لهزة عميقة او سقوط؟ هل جرى التفكير جديًا في كلفة ذلك على العراق؟

يعبّر عن قلق واضح من "استقبال" العراق لأعداد كبيرة من عناصر داعش، ويرى ان الخطورة تتضاعف حين يجري "توطين" هؤلاء في سجون داخل بغداد او قريبًا منها، بما يحول العاصمة إلى خزان للخطر بدل أن تكون بعيدة عنه.

يذكّر بتجربة الدولة العراقية نفسها مع سقوط الموصل، موضحًا ان وجود اربع فرق عسكرية لم يمنع الانهيار، وأنّ مقاتلي داعش وصلوا إلى صلاح الدين خلال ساعات قليلة، ما يعني أنّ الرهان على "استقرار دائم" لأي نظام مجاور، بما في ذلك إيران، قد يكون رهانًا مضللًا في عالم السياسة والأمن.

يلفت إلى أنّ إيران، بحكم الجغرافيا وتشابك الملفات، ليست فقط دولة جارة بل بوابة شرقية كبرى؛ وإذا تعرّضت لفوضى او صراع مفتوح، فإنّ الطوفان لن يمر من جوار العراق من دون أن يغمره، وهو ما يفرض على بغداد أن تنظر إلى الحدود الشرقية بوصفها خط جبهة محتمل، لا مجرد عمق استراتيجي ثابت.

بهذه المقاربة، لا يسعى الكربولي إلى ربط حادثة الرمادي مباشرة بملف السجناء، بقدر ما يحاول وضع الاثنين في سياق واحد: سياق منطقة قابلة للاهتزاز من الغرب والشرق معًا، بينما يجري تحميل العراق عبء تخزين أخطر عناصر تنظيم عابر للحدود داخل أرضه.

عندما يلتقي ملف السجناء بأخطر أذرع داعش

خارج الحدود العراقية، يتشكل مشهد لا يقل خطورة عن ملف السجناء. تنظيم داعش الذي خسر سيطرته المكانية في العراق وسوريا، أعاد توزيع ثقله باتجاه اذرع جديدة، ويُعد فرع "داعش – ولاية خراسان" في أفغانستان وباكستان اليوم أخطر هذه الأذرع.

هذا الفرع:

-أثبت قدرته على تنفيذ هجمات دامية داخل أفغانستان، مستهدفًا مساجد وتجمعات مدنية، وموجّهًا رسائل متكررة إلى القوى الإقليمية والدولية.

-وصل إلى العمق الإيراني عبر التفجيرات التي ضربت مدينة كرمان قرب قبر قاسم سليماني، في واحد من أعنف الهجمات التي شهدتها إيران منذ عقود، وهو ما اعترفت به طهران وتقارير استخبارية غربية ربطت المنفذين بولايـة خراسان.

-ظهر اسمه في تحقيقات وهجمات خارجية اخرى، من روسيا إلى اوروبا، ما جعل العديد من التقارير الدولية تصفه بأنّه "أكبر تهديد جهادي خارجي" حاليًا.

إذا ما وضِع هذا المشهد إلى جانب طول الحدود الإيرانية – الأفغانية، وحدود العراق الطويلة والمتشابكة مع إيران، يصبح من الممكن تصور سيناريو تتقاطع فيه ثلاثة مسارات:

-اضطراب داخلي في إيران يفتح ثغرات على حدودها الشرقية والغربية.

-تمدد متصاعد لولاية خراسان غربًا نحو الداخل الإيراني، مستفيدة من أي فراغ أمني او سياسي.

-وجود آلاف من سجناء داعش في سجون عراقية، بعضهم يمتلك خبرة تنظيمية وعقائدية عابرة للحدود، وقادر على تشكيل نواة جديدة إذا أتيحت له الفرصة.

في سيناريو من هذا النوع، لا تعود سجون العراق مجرد منشآت احتجاز، بل تتحول إلى عقدة مركزية في شبكة تهديد إقليمي؛ يمكن أن تصبح هدفًا مباشرًا لهجمات، او ورقة تفاوض، او مخزنًا بشريًا ينتظر لحظة الفوضى ليعود إلى الميدان.

الانقسام السياسي.. الثغرة الأخطر في ملف السجون

إلى جانب العوامل الإقليميّة والحدوديّة، يطلّ عامل داخلي لا يقلّ خطورة يتمثّل في الانقسامات السياسيّة الحادّة داخل العراق، وما تخلقه من بيئة هشّة يمكن أن تُستَغلّ في أخطر الملفّات، ومن بينها ملفّ سجناء داعش. فكلّما اشتدّ الصراع بين مراكز القوى، وتعمّق التنازع بين "الدولة" و"اللادولة"، ارتفعت احتمالات توظيف الخلايا النائمة كورقة ضغط أو ابتزاز متبادل، سواء عبر تغطية تحرّكاتها في بعض المناطق، أو عبر غضّ الطرف عن ثغرات أمنيّة في منظومة السجون.

وهذا بالضبط ما يثير المخاوف من تكرار سيناريوهات سابقة، مثل ما جرى في سجن أبو غريب وسجن التاجي عام 2013، حين تحوّل تشتّت القرار الأمني والسياسي إلى بيئة سمحت بعمليّة هروب منظّمة لعشرات من أخطر المطلوبين، وكانت واحدًا من المفاصل التي سبقت صعود داعش بشكل كارثي. وهو نفسه الاختلاف السياسي الذي لم يحمِل أحدًا مسؤوليّة سقوط المحافظات بيد التنظيم، حين جرى تعويم المسؤوليّة تحت شعار أنّ "الكلّ مسؤول"، فضاعت الدماء والحقوق بين أطراف العمليّة السياسيّة، من دون محاسبة واضحة أو سرد رسمي يحسم مَن تسبّب بالانهيار ومَن دفع الثمن على الأرض.

ما الذي يعنيه كل ذلك لبغداد؟

حين يُعاد ترتيب كل هذه الخيوط وفق التسلسل الذي يعيشه العراقي يوميًا، تبدو الصورة على النحو الآتي:

-سؤال البارحة عن علاقة انتحاري الرمادي بنقل الدواعش من سوريا هو تعبير عن خوف أعمق من مجرد "صدفة زمنية"؛ إنّه خوف من أن يفقد العراق مرة اخرى السيطرة على معادلة كان يظن أنّه أمسك بها بعد هزيمة داعش عسكريًا.

-خطورة توطين هؤلاء السجناء في سجون داخل بغداد او في مدن مركزية تكمن في تحويل الخطر من "حيّز حدودي" إلى "حيّز مركزي"، ومن عبء تشارك فيه سوريا وقسد والتحالف الدولي، إلى عبء يتحمله العراق وحده داخل مؤسساته.

-حادثة الرمادي، مهما كانت معزولة من الناحية العملياتية عن ملف السجناء، تذكّر بأن الخلايا النائمة لا تزال قادرة على اختبار جاهزية الأمن العراقي، وأن أي ضعف في منظومة السجون قد يمنحها، في لحظة فوضى، فرصة التمدد من جديد.

-الحدود الشرقية، مع حضور لاعب خطير هو ولاية خراسان، تجعل أي حديث عن "ثبات" إيران او "ضمان" استقرارها مجرد فرضية وليست حقيقة ثابتة، وهو ما يحوّل تحذيرات الكربولي من كونها مبالغة سياسية إلى أسئلة مشروعة في حسابات الأمن القومي.

من هنا، يصبح على بغداد أن تتعامل مع ملف نقل الدواعش باعتباره ملفًا استراتيجيًا مزدوج البعد:

-داخليًا، عبر تشديد الحماية، وضمان شفافية في إدارة السجون، وتحصينها من الاختراق السياسي والأمني، ومنع استخدامها كأدوات مساومة.

-إقليميًا، عبر إدماجه في رؤية اوسع للعلاقة مع سوريا وإيران وأفغانستان، تأخذ في الاعتبار أنّ التنظيم الذي يُودَع قادته في السجون العراقية اليوم ليس تنظيمًا محليًا، بل جزء من شبكة تمتد من خراسان إلى الشام.

في النهاية، قد تثبت التحقيقات أنّ لا علاقة مباشرة بين انتحاري الرمادي وطائرات نقل الدواعش من سوريا. لكن الطريقة التي ستدار بها هذه الملفات معًا، من بغداد إلى الحدود الشرقية، هي التي ستحدد ما إذا كان العراقيون سيبقون يطرحون سؤال الامس بقلق، ام سيأتي يوم يطرحون سؤالًا أخطر: كيف عاد التنظيم الذي هُزم في الموصل ليطل برأسه من خلف أسوار سجون العاصمة؟

تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم



إقرأ المزيد