هذا اليوم - 1/28/2026 2:28:54 PM - GMT (+3 )
أحبطت القوات الأمنية في محافظة الأنبار، مساء أمس الثلاثاء ( 27 كانون الثاني 2026 )، هجوماً انتحارياً كان يستهدف مطعماً شعبياً مكتظاً في أطراف مدينة الرمادي، بعد ضبط شخص يرتدي حزاماً ناسفاً والسيطرة عليه من دون وقوع إصابات بشرية، في عملية وُصِفت بأنّها واحدة من أكثر العمليات دقّة خلال الأشهر الأخيرة في المحافظة.
كيف جرت العملية؟
بحسب المعلومات الأمنية المتاحة، بدأت القصة برصد تحركات شخص وُصف بأنّه "مريب" قرب أحد المطاعم الشعبية في ضواحي الرمادي، في توقيت يشهد عادة ازدحاماً بالعوائل والزبائن. قوة تابعة لجهاز الأمن الوطني وبالتنسيق مع مفارز من شرطة الأنبار تحركت سريعاً إلى المكان، ونفّذت عملية تطويق للمنطقة قبل أن تنقضّ على الشخص المشتبه به، ليتبيّن أنّه يرتدي حزاماً ناسفاً كان معدّاً للتفجير.
الجهد الهندسي المختص تولّى بعد ذلك تفكيك الحزام الناسف والتعامل معه في الميدان، وسط إجراءات مشددة لإبعاد المدنيين وتأمين محيط المطعم، في وقت انتشرت فيه وحدات إضافية على الطرق القريبة تحسّباً لوجود أي عنصر آخر يوفّر الإسناد للانتحاري أو يراقب من مسافة أبعد.
لحظات التوتر الأولى في الشارع
روايات الأهالي المتداولة تشير إلى أنّ لحظة الانقضاض على الانتحاري شهدت توتراً وذعراً لثوانٍ، قبل أن يدرك المواطنون أنّ القوات الأمنية هي التي قامت بالاعتقال، وأنّ الخطر بات تحت السيطرة. بعض الشهود تحدّثوا عن رؤية العناصر الأمنية وهي تشد وثاق المشتبه به على الأرض بسرعة، فيما أغلقت سيارات الشرطة الشارع المؤدي إلى المطعم، منعاً لاكتظاظ الفضوليين وتحوّل المكان إلى هدف أسهل لو كان هناك مخطط لهجوم مزدوج.
هذه تعيد إلى الأذهان ذاكرة سنوات التفجيرات التي استهدفت مطاعم وأسواقاً ومساجد في مدن عراقية مختلفة، لكنّ الفارق هذه المرة أنّ المشهد انتهى من دون دماء، بفعل سرعة الاستجابة ووجود معلومة استخبارية سمحت بالتعامل مع التهديد قبل تحوّله إلى كارثة.
قراءة برلمانية: عملية استباقية ولا صلة بملف السجناء
النائب ياسر إسكندر وتوت أكّد، اليوم الثلاثاء، في حديث لـ"بغداد اليوم"، أنّ ما جرى في الرمادي هو بالأساس نجاح استخباري لافت لجهاز الأمن الوطني، مستبعداً في الوقت نفسه وجود رابط مباشر بين هذه الحادثة وبين ملف نقل السجناء المتهمين بالإرهاب من سوريا إلى العراق.
قال وتوت لـ"بغداد اليوم" إنّ "ما جرى في الرمادي مساء اليوم يُعد عملية نوعية لجهاز الأمن الوطني، نجحت خلالها مفارز الجهاز في ضبط انتحاري كان يرتدي حزاماً ناسفاً"، لافتاً إلى أنّ "الأمن الوطني أصدر بياناً رسمياً أوضح فيه حيثيات العملية التي نُفذت وفق معلومات استخبارية دقيقة".
وأضاف أنّ "محافظة الأنبار، إلى جانب مناطق أخرى، ما زالت تضم خلايا نائمة، والتصدي لها يعتمد بالأساس على الجهد الاستخباري"، مبيّناً أنّ "العملية التي نُفذت في الرمادي تُعد عملية استباقية استخبارية ناجحة".
وأشار وتوت إلى أنّه "يستبعد بشكل كامل أن تكون هذه العملية مرتبطة بملف نقل العشرات من السجناء المتهمين بالإرهاب من السجون السورية إلى العراق"، موضحاً أنّ "ملف الخلايا النائمة في البلاد لم يُغلق بعد، إذ ما زالت هذه الخلايا مبعثرة في عدد من المناطق".
وتابع أنّ "الجهد الاستخباري ينجح بين فترة وأخرى في رصد عناصر هذه الخلايا واعتقالهم أو توجيه ضربات جوية لهم، أسفرت عن مقتل العديد منهم خلال الأشهر الماضية في مناطق من الأنبار وكركوك ومحيط ديالى"، مؤكّداً أنّ "عملية الرمادي تأتي في سياق تطوّر العمل الاستخباري لكشف الخلايا النائمة والوصول إلى أوكارها".
بهذا المعنى، يضع وتوت العملية في إطار أوسع من مجرد حادثة فردية؛ فهي حلقة ضمن سلسلة عمليات تهدف إلى استنزاف ما تبقّى من قدرات "الخلايا النائمة" في المحافظات التي كانت سابقاً مسرحاً رئيسياً لنشاط التنظيمات المتطرّفة.
هل ترتبط العملية بملف نقل سجناء "القوائم السوداء"؟
التزامن الزمني بين حادثة الانتحاري في الرمادي وبين بدء ترتيبات نقل سجناء متهمين بالإرهاب من السجون السورية إلى العراق فتح الباب أمام تساؤلات في الشارع عن احتمال وجود صلة بين الملفين، سواء عبر محاولة استثمار هذا الحدث لإرسال رسائل أمنية، أو من خلال سعي جهات متطرفة إلى خلط الأوراق وإظهار أنّ نقل السجناء يزيد من مستوى الخطر داخل البلاد.
غير أنّ القراءة التي قدّمها النائب ياسر إسكندر وتوت تذهب باتجاه معاكس، إذ يشدّد على أنّ ملف الخلايا النائمة قائم بذاته، وأنّ هذه المجموعات موجودة أصلاً داخل الجغرافيا العراقية منذ سنوات، وتتحرك في مساحات معروفة لقوات الأمن، سواء في صحراء الأنبار أو في بعض المناطق الوعرة في كركوك وحزام ديالى، ما يعني أنّ حادثة الرمادي أقرب إلى أن تكون استمراراً لنشاط هذه الشبكات، لا انعكاساً مباشراً لترتيبات نقل السجناء من سوريا.
هذه المقاربة تعني عملياً أنّ التحدّي أمام الدولة مزدوج: من جهة، إدارة ملف "القوائم السوداء" العائدين من السجون السورية ضمن إطار قانوني وأمني محكم؛ ومن جهة ثانية، مواصلة تفكيك البنية المحلية للخلايا النائمة التي تحاول بين حين وآخر اختبار جاهزية المنظومة الأمنية في المدن المحررة.
الرمادي بعد التحرير.. استقرار يتحسّن وتهديد لا يختفي
منذ استعادة الرمادي من تنظيم "داعش"، شهدت المدينة مساراً تدريجياً نحو الاستقرار الأمني وعودة الحياة إلى شوارعها وأسواقها ومدارسها وجامعتها، لكنّ حادثة الانتحاري الأخيرة أعادت التذكير بحقيقة يعرفها معظم أهالي الأنبار: الخطر قد يتراجع، لكنه لا يختفي بالكامل.
العمليات الأخيرة في الصحراء الغربية ومناطق حمرين ومحيط كركوك تؤشّر إلى أنّ بقايا التنظيم لم تعد قادرة على السيطرة الميدانية الواسعة كما في السابق، لكنها ما زالت تراهن على "ضربة نوعية" هنا أو هناك، قد تعيد إليها جزءاً من الزخم الإعلامي، وتزرع شعوراً بالقلق في المدن التي تنفّست الصعداء خلال السنوات الماضية.
رسائل عملية الرمادي ودلالاتها
العملية تحمل جملة من الرسائل المتداخلة. أوّلها أنّ العمل الاستخباري في الأنبار لم يعد ردّ فعل على التفجير، بل بات قادراً على التحرك قبل الانفجار، مستنداً إلى معلومات مسبقة وتنسيق ميداني بين أكثر من جهاز.
ثانيها أنّ اختيار هدف مدني خالص، كمطعم شعبي في ضواحي الرمادي، يعبّر عن استمرار رهان الجماعات المتطرّفة على استهداف "الحياة اليومية" للناس، لا المواقع العسكرية فقط، بما يعني أنّ حماية الأماكن العامة والأسواق والمطاعم والمدارس تبقى جزءاً أساسياً من معركة الأمن الداخلي.
في الخلاصة، ما حدث في الرمادي يمكن قراءته كاختبار جديد لجهوزية الأجهزة الأمنية في الأنبار، نجحت فيه هذه الأجهزة في إبعاد شبح "المجزرة" عن مطعم مزدحم، لكنها في الوقت نفسه تلقّت تذكيراً قاسياً بأنّ المعركة مع الخلايا النائمة ما زالت مفتوحة، وأنّ تحويل هذه النجاحات الموضعية إلى واقع دائم يتطلّب استثماراً مستمراً في الاستخبارات، وفي التعاون مع الأهالي، وفي إدارة الملفات المرتبطة بـ"القوائم السوداء" والسجناء العائدين بطريقة تحرم التنظيمات المتطرّفة من أي ثغرة جديدة.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم
إقرأ المزيد


