هذا اليوم - 1/28/2026 1:06:06 AM - GMT (+3 )
بغداد اليوم – بغداد
منذ أشهر، تعاملت "بغداد اليوم" مع مؤشرات الاقتصاد العراقي بوصفها "إنذار مبكر" لمراحل أكثر خطورة كانت تلوح في الأفق: قفزات متتالية في سعر الدولار الموازي، موازنات تضخمية، عجز متنامٍ، استنزاف متسارع للاحتياطي، وضغوط متزايدة على رواتب الموظفين والفئات الهشّة. ومع كل تقرير وتحقيق اقتصادي، كان التحذير المركزي واضحًا: إذا لم تُتخذ معالجات جذرية وسريعة، فإنّ البلاد تتّجه إلى لحظة "انكسار" لا تنفع معها المسكنات.
اليوم، يصف الخبير الاقتصادي منار العبيدي هذه اللحظة بوضوح قاسٍ: نحن لم نعد في مرحلة التحذير أو الاستشراف، بل "في قلب العاصفة"؛ في "دوّامة إعصار حقيقي"، كما يقول، حيث خرجت الأمور عن السيطرة، ولم يعد الحديث عن أزمة مالية مجرد ترف تحليلي، بل سؤال وجودي: ماذا بعد الإعصار؟
من رصد المؤشرات إلى الاعتراف بـ"الإعصار"
خلال الفترة الماضية، رصد قسم الشؤون الاقتصادية في "بغداد اليوم" مسارًا متصاعدًا لمجمل الأزمات الاقتصادية والمالية: سعر صرف الدولار الموازي الذي قفز إلى حدود 157,000 دينار لكل 100 دولار، ثم تراجع قليلًا من دون أن يعود إلى مستويات مريحة؛ ضغط الاستيراد عبر منافذ لا تخضع بالكامل للآليات الجديدة؛ تزايد الاعتماد على السوق الموازي لتمويل التجارة مع تركيا وإيران؛ وموجات من الارتفاع في أسعار السلع الأساسية، بالتزامن مع أحاديث عن ضرائب ورسوم جديدة أو أكثر تشددًا.
في الموازاة، كانت النقاشات حول الإيرادات غير النفطية تكشف حجم الفاقد الضريبي والكمركي، وحجم الفجوة بين ما يمكن تحصيله نظريًا وما يدخل فعليًا إلى الخزينة العامة، في ظل نظام جباية مهترئ، وتداخل مصالح سياسية وحزبية وتجارية، وانقسام في إدارة المنافذ بين المركز والإقليم.
هذه المؤشرات لم تعُد، بنظر العبيدي، مجرد نُذر أزمة، بل علامات على أنّنا دخلنا فعليًا مرحلة جديدة. يقول: "كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن الأزمة الاقتصادية والوضع المالي، لكن الواقع يفرض علينا الانتقال من توصيف الأزمة إلى مواجهة ما بعدها. فنحن لم نعد في مرحلة التحذير أو الاستشراف، بل في قلب العاصفة ذاتها، حيث لم يعد لأي معالجات ترقيعية أو مسكنات وقتية أي جدوى. الأمور، ببساطة، خرجت عن السيطرة، والعراق اليوم في دوامة إعصار حقيقي".
هذا التوصيف ينسجم مع ما حذّرت منه "بغداد اليوم" في تقارير سابقة: أنّ الإصرار على تأجيل الإصلاح، والاعتماد على حلول قصيرة الأمد لشراء الوقت، يحوّل الأزمة من حالة يمكن احتواؤها إلى "إعصار" يصعب التنبؤ بمدى خسائره.
أزمة أعمق من الأرقام.. انهيار الثقة بين الدولة والمواطن
ليست خطورة اللحظة الراهنة في حجم العجز أو سعر الصرف أو نسبة التضخم وحدها، بل في الموقع الذي وصل إليه "عامل الثقة" بين الدولة والمواطن. العبيدي يضع إصبعه على هذه النقطة بالذات، حين يربط بين عمق الأزمة وحدود قدرة المؤسسات الرسمية على معالجتها منفردة: "الواقع يشير إلى أن الأزمة تجاوزت قدرة المؤسسات الرسمية وحدها على الاحتواء والمعالجة، وأصبحت مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع الجهات المؤثرة في المجتمع. والسبب الجوهري لذلك هو فقدان الثقة بين الدولة والمواطن، وهو التحدي الأكبر أمام أي مسار إصلاحي حقيقي".
اليوم، كما يشير، بات الرابط شبه الوحيد بين المواطن والمؤسسات الرسمية هو القدرة على الإيفاء بالالتزامات المالية الآنية: الراتب الشهري للموظف والمتقاعد، دفع المستحقات، وتمويل البطاقة التموينية إن وُجدت، والاستجابة الفورية لأي أزمة سيولة.
أمّا أي حديث عن إصلاحات هيكلية عميقة، أو "عمليات جراحية" في بنية الموازنة والإنفاق العام، فسيواجه – منطقيًا – رفضًا شعبيًا واسعًا، لأنّ الثقة التي تُتيح للمجتمع تحمّل الكلفة المؤلمة لأي إصلاح لم تُستعد بعد.
هذا الوضع يجعل الدولة "أسيرة" خيار واحد تقريبًا: الاستمرار في استنزاف الموارد الحالية والمستقبلية للحفاظ على خيط رفيع من الاستقرار الاجتماعي، عبر تأمين الرواتب بأي ثمن، وتهدئة الأسواق بأي طريقة، وتأجيل المواجهة مع الملفات الكبرى، من الفساد إلى هيكل الموازنة. لكن، كما يشير العبيدي، هذا النهج يقترب من نهايته:
"الاستمرار في هذا النهج – القائم على استنزاف الموارد الحالية والمستقبلية لتأمين هذا الخيط الرفيع من الاستقرار – يقترب من نهايته. فالقدرة على الاستمرار بهذه الطريقة بلغت مراحلها الأخيرة".
بين رمضان، والدولار، والضرائب.. ضغط معيشي مضاعف
يتزامن تفاقم الأزمة مع اقتراب شهر رمضان، وهو تقليديًا فترة ارتفاع في الطلب على الغذاء والسلع الأساسية. في ظل سعر صرف متقلب ومرتفع للدولار الموازي، وتكلفة استيراد أعلى، وأحاديث عن ضرائب ورسوم متزايدة أو أكثر صرامة، تصبح أي زيادة في الأسعار أكثر وطأة على الأسر ذات الدخل المحدود.
هذا يعني أنّ المواطن يواجه اليوم ضغطًا مزدوجًا: من جهة، ارتفاع كلفة السلع المستوردة، ولا سيما الغذائية والدوائية والسلع الأساسية. ومن جهة أخرى، تزايد الأعباء الضريبية والرسومية والكمركية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر ارتفاع كلفة الخدمات.
في هذه الأجواء، أي اختلال بسيط في تدفق الرواتب أو تأخير في التمويل – كما شهدنا نقاشاته في بعض الوزارات والدوائر – يتحول فورًا إلى قلق وجودي لدى شريحة واسعة من المجتمع، لا لأنها فقط تعتمد على الراتب، بل لأنّ البدائل شبه معدومة، وسوق العمل الخاص نفسه يتأثر بأي هزة في سعر الصرف أو حجم الطلب الكلي.
ما بعد الإعصار.. سيناريوهات اجتماعية وأمنية
العبيدي يذهب أبعد من توصيف الأزمة المالية؛ فهو يربط بين فشل إدارة هذه المرحلة وإمكانية تحوّلها إلى أزمة اجتماعية وأمنية شاملة: "هذا الامتحان القاسي سيكشف قدرة العراق على تجاوز محنته. فإذا تمكن من الحفاظ على وحدته وتماسكه الاجتماعي، فذلك يعني أنه أقوى من كل التحديات الاقتصادية والسياسية التي يواجهها. أما الفشل في تجاوز هذه المرحلة، وهو احتمال قائم، فينذر بانهيار اجتماعي خطير، وتفكك في النسيج الوطني، وقد يمتد – لا سمح الله – إلى أبعاد أمنية".
هذا التحذير لا يأتي في فراغ؛ فالبلد يحمل ذاكرة ثقيلة من الحصار والعقوبات والانهيارات السابقة. الفارق اليوم أنّ شكل الأزمة مختلف: ليست هناك عقوبات شاملة على دولة مغلقة كما في التسعينيات، بل شبكة معقدة من ضغوط مالية، ومخاطر عقوبات قطاعية أو مصرفية، وسوق موازٍ يمسك برقبة الأسعار، وموازنة تضخمية تعتمد على النفط في عالم مضطرب.
في مثل هذه البيئة، أي اختلال إضافي يمكن أن يفتح الباب أمام:
-توسّع الاقتصاد الموازي وغير المنظم،
-زيادة التوترات الاجتماعية،
-تمدّد أنماط من الاستغلال المالي والسوقي،
-فتح ثغرات أمنية في المناطق الأشد هشاشة.
من فتح الموازنات إلى كشف الفساد.. ما الطريق للخروج؟
في مواجهة هذه الصورة القاتمة، يضع العبيدي مسارًا واضحًا – وإن كان صعبًا – للخروج من "دوّامة الإعصار": "لا مخرج حقيقي من هذه الدوامة إلا عبر المصارحة والشفافية المطلقة. بدءًا من فتح ملف الموازنات العامة منذ أول موازنة بعد 2003 وحتى اليوم، مرورًا بإعادة فتح جميع ملفات الفساد دون استثناء، وكشف أين صُرفت الأموال العامة وأين ذهبت، ومحاسبة كل من قصّر أو تهاون بها".
هذا يعني، عمليًا، أنّ أي حل واقعي يتطلب:
-مراجعة كاملة لمسار الإنفاق العام خلال أكثر من عقدين،
-تدقيقًا شفافًا في الموازنات، والعقود، والمشروعات الوهمية أو المتعثرة،
-وقائع واضحة أمام الرأي العام حول مصير مئات مليارات الدولارات التي خرجت من خزائن الدولة.
ويضيف العبيدي بُعدًا رمزيًا مهمًّا: تقليص نفقات الدرجات العليا والامتيازات الممنوحة للمسؤولين، حتى لو لم يكن ذلك حلًا ماليًا جذريًا، لأنّه يحمل رسالة سياسية وأخلاقية للمجتمع: "تقليص نفقات الدرجات العليا والامتيازات الممنوحة للمسؤولين – حتى وإن لم تشكّل حلًا ماليًا جذريًا – يمثل خطوة معنوية بالغة الأهمية، تسهم في تقليص الفجوة بين المجتمع والسلطة، وتعيد جزءًا من الثقة المفقودة".
هذه الخطوات، في حال اقترنت بإصلاحات حقيقية في تعظيم الإيرادات غير النفطية، وضبط المنافذ، وتوحيد التعرفة الكمركية، وترشيد الإنفاق، يمكن أن تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة، قائمة على المصارحة لا على التخدير.
الفقاعة المؤجلة.. حين يصبح إنكار الأزمة أخطر من الأزمة نفسها
رسالة العبيدي الأخيرة شديدة الوضوح، وتتماهى مع ما ظلّت "بغداد اليوم" تحذّر منه في تغطياتها الاقتصادية: "محاولة تخدير الشارع، أو الإيحاء بعدم الحاجة إلى إصلاحات حقيقية، أو الترويج لإمكانية تسديد المستحقات كاملة وفي مواعيدها دون كلفة، فهي ليست سوى تضخيم لفقاعة مؤجلة الانفجار. فكل فقاعة، مهما طال زمنها، مصيرها الانفجار… وعندها ستكون العواقب وخيمة ولا تُحمد عقباها".
بمعنى آخر، إنكار حجم الأزمة، أو الاكتفاء بتهدئة آنية لسعر الصرف، أو طمأنة شكلية حول الرواتب، من دون إصلاحات فعلية في الموازنة والإنفاق والإيرادات ومحاربة الفساد، لا يعني تجنّب الانفجار، بل تأجيله مع تضخيم آثاره.
ما بين التحذيرات التي صدرت على مدى أشهر، والاعتراف اليوم بأنّنا "في قلب الإعصار"، يقف العراق أمام خيار حاسم: إمّا فتح الملفات الصعبة بشجاعة، واستعادة الثقة عبر مصارحة كاملة وإصلاحات حقيقية، وإمّا الاستمرار في إدارة الأزمة بمنطق "الترقيع" إلى أن تنفجر الفقاعة على حساب المجتمع كلّه.
في هذه اللحظة، لا يعود السؤال: هل هناك أزمة؟ بل: هل نختار إصلاحًا موجعًا بإرادتنا، أم ننتظر انهيارًا يفرض علينا أثمانًا لا طاقة لنا بها؟
ملحق تحذيرات سابقة:
https://baghdadtoday.news/291315-45.html
https://baghdadtoday.news/291031-20-25.html
https://baghdadtoday.news/290806-.html
https://baghdadtoday.news/290686-15-10.html
https://baghdadtoday.news/290544-750-23-44.html
https://baghdadtoday.news/290551-.html
https://baghdadtoday.news/290476-2025.html
https://baghdadtoday.news/290468-.html
https://baghdadtoday.news/290379-21-661-5.html
https://baghdadtoday.news/290171-2026.html
https://baghdadtoday.news/289464-2026.html
تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم
إقرأ المزيد


