ما الذي يجري؟ وسط ارتفاع الذهب والدولار وتآكل الرواتب.. استعراض لطبقة "فاحشي الثراء" في بغداد - عاجل
هذا اليوم -

بغداد اليوم – بغداد

في وقت تواصل فيه أسعار الدولار والذهب والمواد الغذائية صعودها بصورة مقلقة، وتتزايد شكاوى المواطنين من أعباء الضرائب وارتفاع كلفة المعيشة، يتفاجأ كثير من العراقيين بإقامة المعرض الأول لمجوهرات العراق في بغداد، برعاية وزارة التجارة وبإشراف مستشارية الأمن القومي، ليظهر الحدث بالنسبة لشرائح واسعة بوصفه معرضًا مخصصًا لـ"الطبقة المخملية" البعيدة عن هموم الفقراء وأصحاب الدخل المحدود، بل ويُتهم بعض المنتفعين من ارتفاع الأسعار بأنهم المستفيد الأكبر من موجات الغلاء الحالية، إن لم يكونوا جزءًا من آليات تغذيتها، بحسب تعبير منتقدين.

المعرض الذي استمرت فعالياته حتى نهار اليوم الاثنين ( 26 كانون الثاني 2026 )، شهد حفل افتتاح واسع بمشاركة نخبة من التجار والصاغة من داخل العراق وخارجه، فضلًا عن جلسة حوارية موسعة تناولت فكرة "توطين الصناعات الثمينة" كالذهب والفضة، ومعوقات هذا القطاع وسبل دعمه عبر مبادرات حكومية ومصرفية. وجرى خلال الجلسة استعراض خطط لإنشاء "مدينة الذهب" في العراق، بهدف تقليل الاعتماد على النفط من جهة، وتخفيض كلف الصياغة الخارجية من جهة أخرى، فيما سارع تجار من إقليم كردستان إلى عرض تجربتهم في تشغيل مكائن أوروبية حديثة للبدء بصياغة محلية، رغم استمرار شكاوى بغداد من نقص الأيدي العاملة الماهرة في هذا المجال.

وأكَّد مشاركون في المعرض اهتمامهم بخطة إنشاء "مدينة الذهب" وتوفير قروض ميسرة مدعومة من البنك المركزي، مع إعفاءات وتخفيضات مرتبطة بنسبة التصدير، معتبرين أنّ الذهب ركيزة اقتصادية موازية للنفط. وشدّدوا على ضرورة توطين صناعة المشغولات الثمينة لتقليل الاستيراد وتخفيض كلف الصياغة، رغم التحديات المتمثلة في نقص الأيدي العاملة الماهرة، وصعوبة تأمين قطع الغيار، والحاجة إلى خطط تسويقية ترفع حصة المنتج المحلي في السوق. وجرى استعراض تجارب لمعامل محلية بدأت تقلّل الاعتماد على الاستيراد مع طموح للتحوّل إلى التصدير نحو دول الجوار، فيما عدّ المشاركون المعرض خطوة لتعزيز الثقة بالمنتج الوطني، مؤكدين استعدادهم لنقل خبراتهم من الخارج إلى الداخل بشرط توفير دعم حكومي وبيئة استثمارية مستقرة.

غير أنّ هذه الصورة "المشرقة" لسوق الذهب والصياغة لا تبدو مقنعة لشريحة واسعة من العراقيين الذين يتابعون صعود الأسعار بقلق يومي. فارتفاع الذهب بالنسبة للطبقة المخملية يعني فرصة استثمار وربح إضافي، لكنّه بالنسبة لأغلب الأسر بات عنوانًا للخوف من موجات جديدة في صعود الدولار، إذ جرى استخدام الذهب طوال السنوات الماضية كأداة لترهيب السوق وتغذية المضاربات: مع كل قفزة في سعر الأونصة أو الغرام، يترافق المشهد غالبًا مع ارتفاع موازٍ في الدولار، أو العكس، في حلقة تغذّي بعضها البعض وتدفع الأسعار نحو قمم جديدة.

في الأحياء الشعبية، يُختصر المشهد بلغة بسيطة: كلما ارتفع الذهب شعر الناس بأن الدولار في طريقه إلى مستوى جديد "فوق 1500" للدولار الواحد في السوق الموازي، وكلما تحرك الدولار إلى الأعلى ارتفعت معه سلة كاملة من الأسعار، من الخضروات والمواد الغذائية إلى الإيجارات وكلف النقل. في هذه الدائرة المغلقة، يختار المواطن البسيط أن ينسحب من أحلامه الصغيرة: شاب يؤجل الزواج لأن "المهر والمصوغات" باتت خارج قدرته، وأسرة تؤجل شراء قطعة ذهب بسيطة لابنتها أو لادخار السنوات المقبلة، لأن الأولوية الآن لدفاتر المدرسة وقناني الغاز وفواتير المولدة.

من هذه الزاوية، يبدو معرض المجوهرات في نظر المنتقدين حدثًا منقطعًا عن المزاج العام، يستعرض ثراء فئة صغيرة في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية للأغلبية بفعل ارتفاع الدولار والضرائب والرسوم، ويُقرأ على أنّه رسالة ضمنية بأنّ هناك طبقة لا يعنيها كثيرًا صعود الأسعار، بل قد تستفيد منه، طالما أنّ الذهب بالنسبة لها مخزن قيمة ووسيلة لزيادة المكاسب، فيما يتحول بالنسبة للفقراء إلى رمز لفجوة طبقية متسعة وحلم مؤجل بالاستقرار والزواج والأمان الاقتصادي.

وبين خطاب رسمي يتحدث عن "توطين صناعة الذهب" و"مدينة ذهب" و"تنويع مصادر الدخل"، وشكاوى يومية من ارتفاع سعر الدولار وتآكل الرواتب وعبء الضريبة على أبسط الخدمات، يبقى السؤال المعلّق في أذهان كثير من العراقيين: هل تُصاغ سياسات السوق فعلًا لمصلحة الاقتصاد والمواطن، أم لمصلحة قلة تستطيع أن تحوّل كل موجة ارتفاع جديدة في الذهب والدولار إلى فرصة ذهبية إضافية، بينما يدفع الباقون ثمنها على طاولة المعيشة والزواج والسكن؟

تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم



إقرأ المزيد