غيمري..كدتُ أصبح إماماً.. تجربة فردية
الزمان -

مروان ياسين الدليمي

كتاب جورج منصور المعنون”غيمري.. كدتُ أصبح إماماً” الصادر عن دار المدى 2025 لا يُقرأ بوصفه سيرة ذاتية تقليدية تُعيد ترتيب الحياة وفق خط زمني مطمئن، ولا بوصفه مذكّرات سياسية تسعى إلى تبرير المواقف أو تلميع الانتماءات بأثر رجعي. إنّه نصّ يضع السيرة نفسها موضع مساءلة، ويعاملها لا كامتداد طبيعي للحياة، بل كفعلٍ فكريّ محفوف بالمسؤولية. هنا، لا تُستدعى التجربة بوصفها مادةً للحنين أو الشهادة، بل بوصفها اختباراً أخلاقياً ممتداً، تُقاس فيه قيمة ما عاشه الفرد بقدرته على تعرية تصدّعاته الداخلية حين مرّ عبر آلات كبرى: التاريخ، الحزب، المنفى، والذاكرة ذاتها. تكمن أهمية هذا الكتاب في أنّه لا يثق بالسرد بصفته فعلاً بريئاً. فكل جملة تُكتب هنا تبدو واعية بكونها اختياراً، وكل استعادة للماضي مشوبة بسؤال أخلاقي ضمني: من يتكلم الآن؟ الإنسان الذي عاش الحدث، أم الإنسان الذي نجا منه؟ من هذا المنظور، لا تكمن القيمة الجوهرية للنص في الوقائع التي يقدّمها، بل في الطريقة التي يُعاد بها ترتيب تلك الوقائع لغوياً وفكرياً، وفي وعي السارد بحدود الذاكرة، وبقدرتها على الخيانة بقدر قدرتها على الحفظ. منذ الصفحات الأولى، يضع جورج منصور قارئه أمام معضلة السيرة الحديثة، لا بوصفها مشكلة تقنية، بل بوصفها أزمة أخلاقية: هل تُكتب الحياة كما عُيشت، بكل ما فيها من ارتباك وسوء تقدير، أم كما يُراد لها أن تُفهم لاحقاً، بعد أن تهدأ العواصف وتُعاد صياغة المعاني؟ هذا التوتر يُعلن بوضوح حين يقول: “تردّدت كثيراً قبل أن أضع نقطة على سطر، لأنّي لم أثق تماماً بعدالة ذاكرتي… هل أكتب كما عشت، أم كما يفترض أن يُكتب الآن؟ إنّه الصراع بين الأمانة والملائمة”. هذا التصريح لايعمل بوصفه تمهيداً بلاغياً أو اعترافاً شكلياً، بل بوصفه عقد قراءة صارماً: النص لن يدّعي البراءة، ولن يقدّم نفسه باعتباره رواية خلاص. من هنا تبدأ السيرة، لا كحكاية عن الذات، بل كمحاكمة لها؛ لا باعتبارها مركزاً للمعنى، بل بوصفها موقعاً هشّاً، قابلاً للخطأ، ومُلزماً بتحمّل تبعات ما يتذكّر… وما يختار أن ينساه.

السيرة بوصفها تفكيكاً لا استعادة

ما يميّز هذا الكتاب أنّه يرفض التعامل مع الماضي بوصفه أرشيفاً ثابتاً يمكن استدعاؤه بطمأنينة، أو مخزوناً جاهزاً للترتيب السردي. الماضي هنا مادّة إشكالية، قابلة للتفكيك، ومشبعة بالتناقضات التي لا يملك السارد ترف تسويتها. إنّها سيرة تُكتب ضد وهم الاستعادة، وتؤمن بأن الذاكرة، حين تُترك بلا مساءلة، تتحوّل إلى جهاز تبرير لا إلى أداة فهم. من هذا المنطلق، لا يعود التذكّر فعلاً حنينياً، بل ممارسة نقدية تتقصّد كشف الشروخ بدل ردمها.
المدن في هذا النص لا تعمل كديكور جغرافي، ولا كخرائط عبور بريئة، بل كأنظمة اختبار أخلاقي ونفسي. أربيل، موسكو، لينينغراد، غيمري… كل مدينة تُستدعى بوصفها قانوناً خاصاً، يفرض على الفرد شكلاً معيّناً من الوجود. موسكو، على وجه الخصوص، لا تظهر كعاصمة أيديولوجية كبرى، بل كـ”مختبر للحلم” سرعان ما تتقشّر فيه الشعارات أمام ضغط التفاصيل اليومية: سكن جامعي خانق، علاقات هشّة، بيروقراطية صمّاء، وخوف لا يُعلن عن نفسه إلا همساً. هنا، تتعرّى الأيديولوجيا لا عبر الخطابات المضادة، بل عبر احتكاكها المباشر بحياة لا تنصاع لها تماماً.

في هذا السياق، لا يكتب منصور عن موسكو بوصفها مركز خلاص أو وعد تاريخي، بل كمساحة تكشف هشاشة الفرد داخل البنية الكبرى. الانتماء الحزبي، الذي يُفترض أن يمنح المعنى، يتحوّل تدريجياً إلى عبء إداري، وإلى سلسلة من “الملاحظات” و”التوجيهات” التي تصادر القرار الفردي. حادثة تغيير تاريخ الجوازفي العراق ، بكل ما تنطوي عليه من مخاطرة وجودية، تُقدَّم لا كحيلة ذكية أو انتصار على النظام، بل كعلامة على اختلال عميق في العلاقة بين الفرد والدولة، بين الإنسان والوثيقة. يقول السارد: “كان خوفي بحجم الوطن وربما أكثر… أحد أثقل أيام أيلول، والأكثر إخافةً ورعباً”.
هنا تحديداً تتجلّى القيمة النقدية للنص: ليس في الحدث ذاته، بل في نبرة السرد التي ترفض البطولة وتُقصي التفاخر، وتستبدلهما باعتراف صريح بالهشاشة. السيرة، في هذا المستوى، لا تُكتب لتأكيد الذات، بل لتقويض يقينها، وإظهارها ككائن عالق دائماً بين ما يريده، وما يُفرض عليه أن يكونه.
“غيمري”: العنوان كاستعارة كبرى”
العنوان “غيمري.. كدتُ أصبح إماماً” ليس عتبة وصفية، ولا مفارقة لغوية تستدرج القارئ بفضول سهل، بل هو بيان فلسفي مكثّف، يختزل مأزق النص كلّه في جملة واحدة. فـ”كدتُ أصبح إماماً” لا تشير إلى حادثة عرضية في سيرة الكاتب، بقدر ما تشير إلى لحظة اقتراب خطِر من يقين جاهز، من شكل نهائي للهوية كاد أن يُغلق الأسئلة بدلاً من أن يفتحها. العنوان، بهذا المعنى، لا يَعِد بحكاية طريفة، بل يعلن منذ البداية أن ما هو معروض هنا هو “تجربة تفادي” أكثر مما هو تجربة تحقّق.
“غيمري”، القرية الداغستانية، تتحوّل في السرد إلى فضاء رمزي كثيف، تتقاطع فيه أنظمة المعنى: الدين، السياسة، الجماعة، واليومي العادي. ليست غيمري مكاناً للقداسة الصافية، ولا هامشاً جغرافياً محايداً، بل مختبراً حادّاً للتجاور القَلِق بين المقدّس والعادي، بين الإيمان بوصفه ممارسة اجتماعية، والإيمان بوصفه سؤالاً داخلياً لا يملك جواباً نهائياً. في هذا الفضاء، لا يبدو “الإمام” رجل دين بقدر ما يبدو نموذجاً جاهزاً للمعنى، وظيفة روحية تُغري بالثبات وتَعِد بالوضوح.

حين يقول السارد إنه “كاد” يصبح إماماً، فهو لا يتحدث عن اقتراب مهني أو ديني، بل عن اقتراب وجودي من فكرة الدور المكتمل. كاد أن يقبل بأن يُسمّى، وأن يُعرّف، وأن يُختزل في وظيفة تمنح الطمأنينة للجماعة قبل أن تمنحها للفرد. “الإمام” هنا ليس شخصاً، بل استعارة عن كل الأدوار التي تعرضها المنظومات الكبرى على الإنسان كي تُعفيه من قلق السؤال. والسيرة، في جوهرها، هي سرد مقاومة هذا الإغراء.
من هنا، يمكن قراءة النص كله بوصفه تمريناً على الإفلات من القالب، ورفضاً لأن يكون الإنسان “شيئاً ما” واضحاً وسهل التصنيف. غيمري ليست مكان الوصول، بل لحظة الانتباه القصوى: اللحظة التي يدرك فيها السارد أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس الضياع، بل الاكتمال الزائف. هكذا يصبح العنوان مفتاحاً تأويلياً حاسماً، لا يشرح النص، بل يضعه منذ البداية تحت ضغط سؤال المعنى وحدوده.

“الصداقة بوصفها معياراً أخلاقياً”

من أكثر المقاطع كثافة وتأثيراً ، سردية الصداقة مع خالد، لا لأنها حكاية شخصية مؤثرة فحسب، بل لأنها تتحوّل تدريجياً إلى معيار أخلاقي يُقاس به كل ما عداه. هنا يخرج النص من حدود السيرة الفردية الضيقة، ويتحوّل إلى مساحة اختبار لفكرة جوهرية: كيف يمكن للإنسان أن يحكم على الآخر في عالم تُدار فيه العلاقات عبر الشبهة، والتقارير، وسوء الفهم المؤسَّس؟ الصداقة، في هذا السياق، لا تُقدَّم بوصفها علاقة وجدانية، بل بوصفها موقفاً معرفياً وأخلاقياً من الآخر.
ما يكتبه منصور عن خالد ليس دفاعاً عنه، ولا اعتذاراً متأخراً للذات، بل تفكيك هادئ لكيفية تشكّل الأحكام داخل منظومات مغلقة. سوء الفهم لا ينشأ هنا من خبث فردي، بل من مناخ عام يجعل الشكّ فضيلة، والريبة أسلوب حياة. القطيعة التي تحدث بين الصديقين لا تُروى كدراما عاطفية، بل كنتاج منطقي لبنية سياسية وأيديولوجية تُجبر الأفراد على اتخاذ مواقف قبل اكتمال المعرفة. بهذا المعنى، تصبح الخيانة المفترضة حدثاً بنيوياً أكثر منها فعلاً شخصياً.

اللافت في هذا المقطع أنّ لحظة انكشاف الحقيقة لا تُستثمر سردياً بوصفها لحظة انتصار أخلاقي أو تطهير نفسي. حين يكتشف السارد أن خالد لم يخنه كما ظن، لا يندفع نحو تبرئة الذات أو جلدها، بل يتجه نحو نقد أعمق للمنظومات التي دفعت صداقة كاملة إلى حافة الانهيار. الاعتراف هنا لا يهدف إلى استعادة الماضي، بل إلى مساءلته، وإظهار مقدار العنف الرمزي الذي يمكن أن تمارسه الأنظمة حين تُدخل الشك إلى قلب العلاقات الإنسانية.
الصداقة، في هذا النص، لا تنجو لأنها قوية فقط، بل لأنها تصبح أداة كشف. إنها تكشف هشاشة الأحكام السريعة، وخطورة تحويل البشر إلى ملفات محتملة. ومن خلال هذه السردية، يقترح الكتاب معياراً أخلاقياً بديلاً: ليس السؤال عمّن كان على حق، بل عمّن دفع ثمن منظومة تجعل سوء الفهم قاعدة لا استثناء. هكذا تتحوّل الصداقة من علاقة شخصية إلى مرآة نقدية، تُظهر بوضوح ما تعجز السياسة عن الاعتراف به.

تكتسب الرسالة القصيرة التي يرسلها خالد قوّتها لا من بلاغتها، بل من عريها الكامل من أي محاولة للتأثير. :”عزيزي جورج… إن الذي اعتقدته أنت ليس صحيحاً… وما أزال أعتزّ بصداقتنا”.

جملة لا تزيد ولا تنقص، لا تشرح ولا تدافع، لكنها تفعل ما تعجز عنه صفحات كاملة من التبرير. هنا تحديداً يحدث ما يمكن تسميته “الانكشاف الأخلاقي الصافي”: لحظة تتهاوى فيها البنية التأويلية التي عاش داخلها السارد سنوات من الغضب والريبة. ليست المفاجأة في أن الحقيقة كانت مختلفة، بل في هشاشة البناء الذي صمد طويلاً فوق افتراض خاطئ.
قيمة هذه اللحظة لا تكمن في بعدها العاطفي، بل في قدرتها على إعادة ترتيب الزمن الداخلي. كيف يمكن لجملة واحدة أن تعيد صياغة سنوات كاملة من الصمت والاتهام؟ السؤال لا يوجَّه إلى الصداقة وحدها، بل إلى الأيديولوجيا التي سمحت لهذا الصمت أن يستمر، والتي درّبت الأفراد على الشك قبل الفهم، وعلى الحكم قبل المعرفة. هنا، لا تعود الصداقة علاقة شخصية فقط، بل تتحوّل إلى أداة قياس حادّة لفشل المنظومات الفكرية في التعامل مع تعقيد الإنسان، ومع هشاشته، ومع قابليته الدائمة للخطأ وسوء التقدير.
في هذا المستوى من السرد، تلتقي الأخلاق باللغة. لغوياً، يعتمد منصور على جملة واعية بوظيفتها، لا تستعرض قدرتها، بل تلتزم بحدّها الضروري. الجملة تمتد حين يتطلّب التفكير ذلك، وتتقلّص حين يكون الحدث أبلغ من أي شرح. لا استعارات فائضة تُغري القارئ بجمال سهل، ولا خطابية مباشرة تحاول فرض موقف أخلاقي جاهز. هذا الاقتصاد في التعبير ليس خياراً أسلوبياً فحسب، بل موقفاً فكرياً: اللغة لا ينبغي أن تسبق التجربة، بل أن تلحق بها.

الاقتباسات الفكرية

الاقتباسات الفكرية التي يضمّنها النص لا تعمل بوصفها زينة ثقافية أو استعراض معرفة. حين يستدعي قول مارك توين:
“يمكن للكذبة أن تسافر نصف العالم، بينما الحقيقة ما زالت تلبس حذاءها”، فإنه لا يعلّق عليه، ولا يشرحه، لأن السياق السردي ذاته قد أنجز مهمته. الاقتباس هنا لا يضيف معنى، بل يكشف أن المعنى كان حاضراً أصلاً. هكذا تتكامل اللغة والفكرة: جملة مقتصدة، وتجربة ثقيلة، ووعي نقدي يرفض أن يشرح ما ينبغي أن يُفهم.

“الذاكرة ضد الأيديولوجيا”

في جوهره العميق، يمكن قراءة الكتاب بوصفه دفاعاً عن الذاكرة الفردية في مواجهة السرديات الكبرى التي تدّعي امتلاك المعنى الكامل. الحزب، الدولة، الثورة، لا تظهر في هذا النص بوصفها مشاريع خلاص، بل كقوى اختزال عنيفة، تسعى إلى تحويل الحياة المعقّدة إلى مخطط قابل للإدارة. إنها تريد للإنسان أن يكون مثالاً، حالة نموذجية، رقماً في سردية أكبر منه. في المقابل، تأتي السيرة هنا لتفشل هذا الطموح، لا عبر المواجهة الخطابية، بل عبر الإصرار على ما تحاول الأيديولوجيا محوه: التفاصيل الصغيرة.
الخوف في المطار، برد السكن الجامعي، ارتباك اللقاءات الأولى، الصمت الثقيل الذي يلي قراراً خاطئاً، الحزن المؤجّل الذي لا يجد لغته فوراً؛ هذه ليست عناصر تزيينية في السرد، بل أدوات مقاومة. فالتفصيل، في هذا الكتاب، ليس زخرفة واقعية، بل فعل تمرّد على الاختزال. كل تفصيل يُستعاد هو تذكير بأن الحياة لا تُختصر في شعار، وأن التجربة الفردية أعندُ من أن تُصاغ في بيان سياسي أو عقيدة مغلقة.

المنفى، كما يُقدَّم هنا، لا يُفهم بوصفه انتقالاً جغرافياً من مكان إلى آخر، بل بوصفه حالة ذهنية مستمرة، تنشأ حين ينكسر التوافق بين الفرد والمعنى الذي فُرض عليه. حتى بعد الاستقرار في أمكنة جديدة، يظل المنفى كامناً في الوعي، لأن الجرح لم يكن مكانياً في الأساس، بل أخلاقياً ومعرفياً. المنفى الحقيقي هو الشعور بأن اللغة التي تشرح العالم لم تعد كافية، وأن القوالب الجاهزة فقدت قدرتها على التفسير.

من هنا، لا تبدو الكتابة في هذا النص سعياً إلى الشفاء، ولا محاولة لاستعادة توازن مفقود. إنها فعل مقاومة ضد النسيان المنظَّم، وضد إعادة تدوير الحياة وفق مقاييس أيديولوجية مريحة. الكتابة هنا هي إصرار على إبقاء الذاكرة مفتوحة، غير مكتملة، وقابلة للقلق. وفي هذا القلق تحديداً تكمن قيمتها: لأنها تذكّرنا بأن الإنسان لا يُنقَذ حين يُطمأَن، بل حين يُسمَح له بأن يتذكّر دون وصاية.
ما الذي يبقى؟

لا يقدّم جورج منصور في كتابه “غيمري.. كدتُ أصبح إماماً” خلاصة جاهزة، ولا يسعى إلى إغلاق تجربته بجملة حكميّة تمنح القارئ وهم اليقين. على العكس، يترك النص أبوابه مفتوحة على فراغٍ محسوب، كأنّه يقول إن السيرة الحديثة لا تُكتب لكي تُطمئن، بل لكي تُقلق، ولا تُستعاد لكي تُحسم، بل لكي تُعاد مساءلتها بلا نهاية. ما يبقى، في النهاية، ليس حكاية مكتملة، بل أثرٌ معرفي وأخلاقي: شعور القارئ بأنه لم يقرأ سيرة ناجزة، بل شارك في تجربة اختبار طويلة، تتداخل فيها الذاكرة مع الشك، والاعتراف مع النقد، والحنين مع الخيبة.

قيمة هذا الكتاب لا تكمن في مادته السردية وحدها، بل في موقفه من المادة ذاتها. فهو لا يعرض الماضي بوصفه مخزوناً يمكن ترتيبه بسهولة، بل بوصفه مجالاً للتوتر المستمر بين ما حدث فعلاً وما نتمنى لو لم يحدث. لذلك، لا يتحوّل الاعتراف بالخطأ إلى جلد ذاتي، ولا يتحوّل كشف سوء الفهم إلى تبرير سياسي. الاعتراف هنا ليس فضيلة أخلاقية معلّبة، بل ممارسة معرفية قاسية: النظر إلى الذات بلا أقنعة، وإلى الأيديولوجيا بلا رهبة، وإلى الذاكرة بلا ثقة مطلقة.

في زمن تُختزل فيه السير الذاتية إلى منشورات سريعة، وإلى سرديات استعراضية تبحث عن التعاطف أكثر مما تبحث عن الحقيقة، يأتي هذا الكتاب ليعيد للسرد الواقعي ثقله الأخلاقي. إنه يذكّرنا بأن الحياة، حين تُكتب بصدق، لا تصبح أكثر وضوحاً، بل أكثر تعقيداً؛ وأن الإنسان، حين يواجه ماضيه بلا تزييف، لا يجد الطمأنينة، بل يجد سؤالاً جديداً يضاف إلى أسئلته القديمة.
ما يبقى، في نهاية المطاف، ليس إجابة، بل طريقة في النظر. ليس درساً جاهزاً، بل حساسية جديدة تجاه الذاكرة، تجاه الصداقة، تجاه الأيديولوجيا، وتجاه اللغة نفسها. بهذا المعنى، لا ينتهي الكتاب عند صفحته الأخيرة، بل يبدأ هناك: في اللحظة التي يدرك فيها القارئ أن السيرة ليست ما حدث فقط، بل الطريقة التي نختار بها أن نتذكّر ما حدث.



إقرأ المزيد