هذا اليوم - 1/24/2026 9:02:01 PM - GMT (+3 )
بغداد اليوم – بغداد
شهدت عدد من الجامعات العراقية في الأيام الأخيرة حراكاً احتجاجياً متصاعداً تمثّل في اعتصامات وإضراب جزئي عن الدوام، بعد تصاعد الجدل حول مخصّصات الخدمة الجامعية والرواتب وحقوق الكادر التدريسي والإداري. أساتذة في جامعات البصرة وكربلاء ومحافظات أخرى أعلنوا رفضهم لأي مساس بمخصّصاتهم، محذّرين من أنّ استمرار الغموض في القرارات الحكومية سيقود إلى تصعيد أوسع داخل الوسط الأكاديمي، في وقت يرى فيه كثيرون أنّ ما يجري في الجامعات قد يكون مقدّمة لحالة أوسع تشمل شرائح أخرى من موظفي الدولة.
قرار 40 لسنة 2026.. شرارة الاحتجاجات
اندلعت شرارة الأزمة الحالية بعد صدور قرار مجلس الوزراء رقم 40 لسنة 2026، والذي تضمّن توجيهات إلى وزارة المالية بتنظيم صرف الرواتب والاستقطاعات الضريبية وربط مخصّصات الخدمة الجامعية بشرط التفرّغ للتدريس استناداً إلى قانون الخدمة الجامعية رقم 23 لسنة 2008.
وزارة المالية أوضحت في بيان رسمي أنّ الفقرة (سابعاً) من القرار تقتصر على صرف مخصّصات الخدمة الجامعية للمتفرّغين للتدريس حصراً، مع إيقاف منحها لغير المتفرّغين، مؤكّدة في الوقت نفسه أنّ المخصّصات الممنوحة للإداريين بنسبة 75% وللفنيين بنسبة 100% ما زالت قائمة وفق المادة 14 من قانون الخدمة الجامعية.
في المقابل، رأى أساتذة جامعيون وقانونيون أنّ تقييد المخصّصات بهذه الطريقة يمثّل تغييراً عملياً في فلسفة القانون نفسه الذي خُصِّص أساساً لدعم الكادر الجامعي واستقطاب الكفاءات، معتبرين أنّ أي تفسير جديد يفضي إلى تقليص الحقوق المالية يلزم أن يتم عبر تعديل تشريعي في مجلس النواب، لا من خلال قرار حكومي تنفيذي.
تضارب البيانات بين المالية والتعليم.. من يطمئن الأستاذ الجامعي؟
مع تصاعد الاعتصامات، أصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بياناً حاولت من خلاله طمأنة الأساتذة، مؤكّدة أنّ قرار مجلس الوزراء لا يمسّ مخصّصات الخدمة الجامعية الممنوحة لموظفي الخدمة الجامعية المتفرّغين، وأنّ الفقرة المثيرة للجدل من القرار منسجمة مع النصوص النافذة في قانون الخدمة الجامعية.
وزارة المالية، من جانبها، شدّدت على أنّ ما يجري هو تطبيق سليم لقانون الخدمة الجامعية، وطالبت الجامعات بإرسال قوائم دقيقة بالمتفرّغين للتدريس وبالاستقطاعات الضريبية والمساهمات التقاعدية، في إطار مسعى أوسع لتعظيم الإيرادات غير النفطية وتقليص الهدر في بند الرواتب.
هذا التباين في الخطاب خلق لدى الأساتذة شعوراً بأنّ كل جهة حكومية تحاول تفسير القرار بما يخدم رؤيتها، من دون صدور نص واحد حاسم يقطع الجدل حول مصير المخصّصات وبقية الرواتب، خصوصاً بعد تزامن هذه التطوّرات مع أحاديث رسمية وإعلامية عن تقليص أو إيقاف بعض المزايا الممنوحة لحملة الشهادات العليا في عدد من الوزارات والمؤسسات.
حلقة جديدة في سلسلة صراع رواتب المعلّمين والأساتذة
الاحتجاجات الحالية تعيد إلى الواجهة سلسلة طويلة من الإضرابات والاعتصامات التي قادها المعلمون والمدرّسون وأساتذة الجامعات خلال السنوات الماضية للمطالبة بتحسين الرواتب وسلّم الدرجات الوظيفية وإقرار مخصّصات التعليم والخدمة الجامعية. ورغم تحقيق بعض المكاسب الجزئية، بقي جوهر المشكلة متعلّقاً بغياب سياسة مستقرة وواضحة للأجور في القطاع العام، واللجوء المتكرر إلى قرارات متقطعة تتأثر بضغوط الموازنة والظروف السياسية.
في هذا السياق، يوضح الخبير المالي والاقتصادي رشيد السعدي، اليوم السبت، في حديث لـ"بغداد اليوم"، أنّ "غياب القرارات الحاسمة والشفافة بشأن الرواتب والاستقطاعات أو آليات الصرف يخلق حالة من القلق وعدم الثقة بين الموظف والحكومة، ويضعف شعور الأمان الوظيفي، وهو ما يؤدي إلى تراجع الأداء والإنتاجية داخل الدوائر الرسمية".
ويبيّن أنّ "الموظفين يعيشون حالة من الإرباك نتيجة تضارب التصريحات الرسمية، ما بين نفي وتأكيد، دون صدور قرارات مكتوبة وواضحة يمكن الاعتماد عليها، وهذا الوضع يدفع شريحة واسعة من الموظفين إلى التفكير بخيارات احتجاجية، من بينها الإضراب أو التوقف الجزئي عن العمل، كرد فعل طبيعي على انعدام اليقين".
ويضيف السعدي أنّ "الإضراب، في حال حدوثه، لن يكون ناتجاً عن رغبة الموظفين في تعطيل مؤسسات الدولة، بل نتيجة مباشرة لغياب التواصل الحكومي الفعّال وعدم إشراك الموظفين والرأي العام في توضيح حقيقة الإجراءات المتّخذة وأسبابها، فضلاً عن مدّتها الزمنية وتأثيرها الفعلي على الدخل الشهري".
ويتابع أنّ "معالجة هذه الأزمة تتطلّب من الحكومة اعتماد سياسة واضحة تقوم على الشفافية والمصارحة، وإصدار قرارات رسمية مكتوبة تحدّد بشكل دقيق مصير الرواتب وآليات الصرف، مع الالتزام بجدول زمني واضح، فاستمرار الضبابية سيؤدي إلى تصعيد اجتماعي وإداري يصعب احتواؤه لاحقاً".
ويختم الخبير المالي والاقتصادي قوله إنّ "استقرار رواتب الموظفين لا يمثّل مجرّد مسألة مالية، بل يعدّ ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي والإداري، وأي مساس بها دون وضوح أو تخطيط مدروس ستكون له آثار سلبية تتجاوز الموظفين لتطال مجمل أداء الدولة ومؤسّساتها".
من ملف الجامعات إلى رواتب الموظفين جميعاً
قرارات وزارة المالية الأخيرة بشأن تجميد جزء من التعيينات والترفيعات وبعض الامتيازات إلى حين إقرار موازنة 2026، إلى جانب تشديد إجراءات الاستقطاع الضريبي والتقاعدي، تعطي انطباعاً بأنّ ملف الرواتب في الدولة العراقية مقبل على مرحلة "إعادة هيكلة" أوسع، في وقت تعوّل فيه الحكومة على زيادة الإيرادات غير النفطية وتقليص النفقات الجارية.
لكن هذه المعالجات المالية، عندما تُطرح من دون حوار مسبق مع النقابات والشرائح المعنية، تتحوّل سريعاً إلى مصدر توتّر اجتماعي، كما يظهر اليوم في الجامعات، وقد تنتقل عدواها إلى قطاعات أخرى من موظفي الوزارات المختلفة، خاصة حملة الشهادات العليا الذين يشعرون بأنّ الحقوق التي منحها لهم قانون الخدمة الجامعية باتت مهددة عملياً.
إلى أين يتّجه الملف؟
في المدى القصير، تبدو الحكومة أمام اختبار مزدوج: تهدئة الشارع الجامعي من جهة، وحماية خطتها المالية من جهة أخرى. بيانات التطمين الصادرة من وزارتي التعليم العالي والمالية تخفف جزءاً من الاحتقان، لكنها لا تجيب بشكل كامل عن أسئلة الأساتذة حول كيفية تطبيق القرار على أرض الواقع، ولا تعالج مخاوف بقية موظفي الدولة من قرارات قد تطال امتيازاتهم في أي لحظة.
أمّا في المدى الأبعد، فإنّ طريقة إدارة هذا الملف ستشكّل مؤشّراً على قدرة الدولة على الموازنة بين متطلبات الانضباط المالي وضرورة الحفاظ على الكفاءات داخل مؤسّساتها، وفي مقدّمتها الجامعات. فإمّا أن يتحوّل الجدل الحالي إلى فرصة لصياغة عقد جديد وواضح حول الرواتب والمخصّصات يشترك في بلورته ممثّلو الموظفين والحكومة معاً، أو يظلّ بوابة مفتوحة أمام موجات جديدة من الإضرابات والاحتجاجات في قطاع تعليمي يحتاجه العراق بشدة في سنوات إعادة البناء المقبلة.
تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم
إقرأ المزيد


