حين يتقدّم المهرّج  الصفوف في لوحة باران
الزمان -

حين يتقدّم المهرّج  الصفوف في لوحة باران

ابراهيم البهرزي

تندرج هذه اللوحة لسيروان  باران ضمن مشروعه البصري الذي يشتغل على تفكيك السلطة وتشيؤ الإنسان، حتى وإن غابت عنها الصورة المباشرة للجنود أو الحشود في محنة الحرب أو أمام قدرية الموت التي كثيرا ما اشتغل عليها.  فالاختلاف هنا شكلي لا جوهري، إذ يستبدل الرسام الزيّ العسكري بالبدلة الرسمية، فيما تبقى آليات الانضباط والإخضاع على حالها.

يعتمد باران منظور (عين الطائر)  الذي طالما استخدمه بوصفه أداة إدانة لا حياد، حيث  يتم النظر  إلى الأجساد من علٍ فتفقد فرديتها وتتحوّل إلى وحدات متشابهة تتحرّك ضمن تشكيل جماعي صارم.  صفوف من الرجال بملامح مطموسة، حقائب متطابقة، ورؤوس منحنية، يسيرون بلا أفق واضح، في مشهد يستعيد منطق الاصطفاف العسكري  ولكن دون بزات عسكرية ودون سلاح، وقد منح البساط الأحمر رمزية سلطوية للمهرج القائد. وسط هذا التماثل القاتم في اللوحة فان المهرّج بألوان غطاء الرأس الفاقعة وهو يتقدم على  البساط الأحمر، يعطي إختراقًا بصريًا ودلاليًا صادمًا.  غير أن  هذا الاختراق لا يحمل  اثر البهجة التي تمنحها رمزية المهرج، بل يكشف عن انقلاب المعنى لعالم تُقاد فيه الجماعة خلف العبث، وتُمارَس فيه السلطة عبر السخرية والترويض  الناعم لا القمع المباشر. تُعمّق الخلفية شبه الخالية الإحساس بالتيه وانعدام الزمان.  فيما يغيب العنف الصريح الذي طالما ظهرت آثاره في لوحات باران ليحلّ محلّه عنف أكثر برودة ورمزية: عنف التنظيم الصارم، والتكرار، والسير الجماعي نحو مصير مجهول. وكما في أعمال باران عن الجنود، لا تُقدَّم الضحية هنا بوصفها جسدًا منكوبًا، بل كإنسان مستلب، يشارك باذعانه في  ديمومة المنظومة الصارمة، عسكرية كانت كما في سابق لوحاته او مدنية كما تعبر عنه هذه اللوحة. وبهذا المعنى، تتحوّل اللوحة إلى إستعارة كثيفة عن عالم معاصر: أنيق في ظاهره، لكنه يسير بانضباط خلف مهرّج، فيما  يرتدي الجميع القناع ذاته ويمضي نحو عدم ٍمُقنّع يتظاهر بالانضباط. هي رمزية مثخنة بجراح الواقع الذي نحياه شأنها شأن كل لوحات سيروان باران التي تنطوي على فلسفة عميقة في التعبير لم يعطها التنظير النقدي حقها بعد.



إقرأ المزيد