أرباح 750 مليارا من الفساد تُغطي 23% من الإنفاق و44% من سيولة النفط.. لماذا الضرائب وأين المحاسبة؟
هذا اليوم - 1/9/2026 2:22:38 AM - GMT (+3 )
هذا اليوم - 1/9/2026 2:22:38 AM - GMT (+3 )
بغداد اليوم - بغداد منذ مطلع عام 2026 لم يتغيّر سعر الدولار فقط، بل تغيّرت معه طريقة دخول البضائع إلى العراق ونظرة الدولة إلى السوق. آلاف التجار اصطدموا بتعرفة كمركية أعلى، واحتساب كمركي مُسبق، وتأمينات ضريبية تُستوفى مع كل عملية إستيراد. في الخلفية، بدأت الحكومة تفعيل ضرائب ورسوم جديدة أو مجمّدة، مست فاتورة المواطن اليومية من كارت الهاتف إلى الدواء. كل ذلك يُقدَّم تحت عنوان: زيادة الإيرادات غير النفطية و"إصلاح" المالية العامة. لكن خلف التفاصيل يبرز سؤال أكبر بكثير من نسبة كمرك على حاوية دواء أو ضريبة على رصيد هاتف: لو أنّ الأموال التي أُهدرت بسبب الفساد منذ عام 2003 وُضعت في صندوق سيادي واستُثمرت بعقل مالي محترف، هل كان العراق سيحتاج أصلًا إلى هذه الضرائب، بل وإلى نصف ما يجنيه اليوم من النفط؟ ماذا تغيّر بعد 1 / 1 / 2026 في الاستيراد؟ الخبير الاقتصادي منار العبيدي يوضح أنّ ما جرى مطلع عام 2026 ليس قرارًا مفاجئًا ووليد لحظة سياسية، بقدر ما هو تنفيذ متأخر لقوانين نافذة ومشروع أتمتة طال انتظاره. يذكّر العبيدي بأنّ التعرفة الكمركية التي أثارت الغضب ليست اختراعًا حكوميًا جديدًا، بل منصوص عليها في قانون التعرفة الكمركية رقم (22) لسنة 2010، الذي أقرّه مجلس النواب قبل أكثر من عقد، لكنّه لم يُطبَّق فعليًا بالشكل الكامل طوال السنوات الماضية. السوق العراقية عاشت طيلة تلك الفترة على مزيج من الرسوم المخفّفة، والإستثناءات، والالتفاف على النصوص، قبل أن تقرر الدولة فجأة أن تعود إلى القانون كما هو تقريبًا. لذلك شعر التجار بأنّهم أمام “صدمة تعرفة”، لا لأنّ القانون جديد، بل لأنّ تطبيقه جاء بعد أن بُنيت الأسعار والعقود وهوامش الربح على واقع مختلف تمامًا. إلى جانب ذلك، يشير العبيدي إلى آلية جديدة أصبحت جزءًا من المشهد: الإحتساب الكمركي المسبق. لم تعد الحوالة الخارجية تمرّ بسهولة عبر المصرف من دون رابط واضح بالبضاعة التي تقابلها. اليوم تُحدَّد الرسوم والالتزامات الكمركية بشكل أولي قبل إجراء التحويل، وتُستوفى عند دخول البضاعة. الهدف المعلن هو تضييق المساحة أمام التحويلات الوهمية والفواتير المضخّمة، التي كانت تُستخدم لتهريب العملة الصعبة إلى الخارج من دون أن تصل إلى السوق سلع حقيقية بالقيمة نفسها. وفي المستوى الثالث، بدأت الدولة باستخدام نظام الأسيكودا في أتمتة المنافذ وتطبيق ما يُسمى بالتأمينات الضريبية على البضائع المستوردة. الفكرة بسيطة في ظاهرها: عند دخول الشحنة تُستوفى نسبة محددة كتأمين ضريبي يُحتسب لاحقًا ضمن ضريبة الدخل على أرباح الشركة، بحيث تتحول الضريبة من تحصيل مؤجَّل ومليء بالثغرات إلى عملية استقطاع تدريجي متصل بكل عملية إستيراد. هذه الخطوات جاءت بعد إكمال مشروع أتمتة الكمارك والمنافذ الحدودية، وهو مشروع تأخر لسنوات واستفاد من تعثره كثيرون؛ من شبكات تهريب، ومعابر غير رسمية، وحيتان تعاقدات بَنَت أرباحها على منطقة رمادية بين الرسمي وغير الرسمي. ومع تشديد الرقابة على الإستيراد والتحويل، انكمش الفضاء الذي كان يسمح بتهريب العملة وتضخيم الفواتير عبر النظام المصرفي، إذ اضطر الباحثون عن الدولار لأغراض غير مشروعة إلى اللجوء أكثر إلى السوق الموازي، وهو ما أسهم في رفع السعر خارج القنوات الرسمية وزاد الضغط على الأسعار المحلية. في هذه الأجواء، ظهرت حزمة أخرى من الإجراءات: ضريبة على كارتات الهاتف، مراجعة كمارك الأدوية، وزيادة الرسوم على بعض السلع المستوردة والسيارات. رسميًا، الهدف هو رفع حصة الإيرادات غير النفطية في الموازنة، لكن هذه الخطوات لم تمرّ من دون أسئلة حادة حول توقيتها، وعدالتها، ومن سيدفع الكلفة فعلًا. ضرائب الدواء وكارتات الهاتف.. من أين يبدأ الإصلاح؟ هنا يدخل رأي الخبير الاقتصادي مصطفى أكرم حنتوش الذي يطرح زاوية مختلفة. بالنسبة له، المشكلة ليست في مبدأ وجود الضرائب، ولا في تنظيم الكمارك وأتمتة المنافذ، بل في ترتيب الأولويات: من أين تبدأ الحكومة الإصلاح، وعلى أي كتف تضع العبء الأول؟ حنتوش يلخّص موقفه بجملة واضحة: أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن يبدأ بالفساد قبل الضريبة. بمعنى آخر، لا يمكن أن يُطلب من المواطن العادي أن يتحمل ضريبة إضافية على دوائه أو اتصالاته، في وقت لم تُغلق فيه بعد الأبواب الأكبر للهدر والتهريب وفرق العملة والامتيازات السياسية. يضرب حنتوش مثالًا بملف الأدوية. فمجرد الحديث عن الانتقال من نسبة كمرك بحدود 0.5% إلى 5% على الأدوية والمستلزمات الطبية، حتى لو كان الأثر الحسابي “محدودًا” في نظر بعض المسؤولين، يبعث برسالة مختلفة تمامًا إلى سوق غير منضبط. أي إشاعة عن ضريبة على الدواء تتحول فورًا إلى تخزين، ورفع أسعار، واستغلال من قبل بعض الوسطاء، بحيث تصبح الفاتورة التي يدفعها المريض أكبر بكثير من النسبة التي يتحدث عنها القانون نفسه. الأمر ذاته ينطبق، بحسب حنتوش، على ضريبة كارتات الهاتف. فالحكومة ترى فيها أداة سهلة لزيادة الإيرادات، اعتمادًا على حجم الإستهلاك الواسع، لكن المواطن يراها استقطاعًا مباشرًا من خدمة يومية لم يعد يستطيع الإستغناء عنها، خصوصًا في ظل غياب خدمات أخرى وتعطّل قطاعات إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل ودخل. من هنا، يرى حنتوش أنّ التراجع المدروس عن بعض القرارات، مثل إعادة النظر في كمرك الأدوية أو طريقة تطبيق بعض الضرائب، ليس ضعفًا بقدر ما هو ضرورة لتفادي صدمة مجتمعية في لحظة اقتصادية حساسة. الإصلاح، في نظره، يجب أن يبدأ من الأعلى إلى الأسفل: من شبكات الفساد والتهريب والامتيازات، لا من دواء المريض وكارت هاتف الطالب والعاطل عن العمل. كم أكل الفساد من أموال.. وماذا لو تحوّل إلى صندوق سيادي؟ عند فتح ملف الفساد في العراق منذ 2003 تتعدد الأرقام، لكنها تدور في نطاق واحد صادم: مئات مليارات الدولارات. بين من يتحدث عن 600 مليار دولار هُدرت أو سُرقت، ومن يرفع الرقم إلى قرابة 800 مليار، ومن يلامس تريليون دولار في تقديرات قصوى، يبقى السؤال واحدًا: ماذا لو أنّ جزءًا كبيرًا من هذه الأموال وُضع في صندوق سيادي بدل أن يبتلعه الهدر والتهريب؟ لأغراض التوضيح، يمكن اعتماد رقم وسطي تعبيري: حجم الأموال المهدورة / المنهوبة منذ 2003= 750 مليار دولار (رقم تقديري وفقا لتقارير رسمية وصحفية) نفترض أنّ العراق أنشأ صندوقًا سياديًا حقيقيًا، ووضع فيه هذه الكتلة أو جزءًا كبيرًا منها، واستثمرها بعائد سنوي محافظ بحدود 5%. حجم الصندوق السيادي المفترض= 750 مليار دولار العائد السنوي عند 5%= 750 × 0.05= 37.5 مليار دولار سنويًا بسعر صرف رسمي يقارب 1,320 دينارًا لكل دولار: 37.5 مليار دولار × 1,320 دينار= 49,500,000,000,000 دينار= 49.5 تريليون دينار سنويًا إذا اعتبرنا أنّ إجمالي إنفاق الموازنة السنوي يقارب 211 تريليون دينار: نسبة عائد الصندوق إلى الموازنة= 49.5 ÷ 211= 0.23= حوالي 23% من الإنفاق السنوي للدولة أما إذا افترضنا إيرادات نفطية سنوية تقارب 85 مليار دولار في سنوات الأسعار المتوسطة: نسبة عائد الصندوق إلى الإيرادات النفطية= 37.5 ÷ 85= 0.44= حوالي 44% من إيرادات النفط السنوية المعنى المباشر لهذه الحسابات: لو أنّ 750 مليار دولار التي ضاعت بسبب الفساد والهدر تحوّلت إلى صندوق سيادي بعائد سنوي قدره 5%، لكان العراق اليوم يحصل على عائد سنوي يقارب نصف ما يجنيه من النفط، ويموّل ربع موازنته تقريبًا من أرباح الإستثمار، من دون أن يبيع برميلًا إضافيًا، ومن دون أن يفرض ضريبة على الدواء أو كارت الهاتف لتعويض ما ضاع. الإمتيازات السياسية.. وجه آخر لسوء توزيع الكلفة بينما تُناقش ضرائب الدواء وكارتات الهاتف والسلع اليومية، تكشف أرقام رواتب وإمتيازات الطبقة السياسية صورة مختلفة تمامًا عن أولويات توزيع العبء. عضو مجلس النواب الواحد يحصل على: راتب ومخصصات شهرية= 8.2 مليون دينار مبالغ لحماية (16 حارسًا)= 16 مليون دينار بدل إيجار سكن= 3 ملايين دينار مجموع ما يُودَع في حساب النائب شهريًا= 8.2 + 16 + 3= 27.2 مليون دينار في برلمان يضم حوالي 326 نائبًا: مجموع ما يُصرف للنواب سنويًا= 27.2 مليون × 326 × 12= 106,406,400,000 دينار= 106.4 مليار دينار سنويًا وهذا الرقم لا يشمل: رواتب ومخصصات رئيس البرلمان ونائبيه نفقات الرئاسات الثلاثة مجتمعة شبكة "الدرجات الخاصة" التي تتحكم بالعقود والصفقات الكبرى بالمقارنة مع أرقام الصندوق السيادي المفترض، تبدو ضرائب الدواء وكارتات الهاتف وكأنّها محاولة لتحصيل "الفُتات" من جيب المواطن، بينما الجزء الأكبر من المعادلة المالية الحقيقية يدور حول أموال الفساد المنهوبة وامتيازات السلطة غير الممسوسة. حين تبدأ المعادلة من المكان الخطأ بلغة المعادلات، يمكن تلخيص الصورة كالتالي: إصلاح مالي حقيقي= مكافحة جدية للفساد والهدر ضبط نافذة العملة والمنافذ صندوق سيادي يستثمر الفوائض ترشيق إمتيازات الطبقة السياسية نظام ضريبي عادل يبدأ من القادرين لا من الأضعف بينما المعادلة المطبّقة حتى الآن تبدو أقرب إلى: إجراءات 2026 كما يراها المواطن= تطبيق متأخر لقانون كمركي ضرائب على الدواء والاتصالات والسلع اليومية− غياب خطوات واضحة وصارمة ضد الفساد الكبير− عدم المساس الجدي بإمتيازات السياسيين والنتيجة = شعور عام بأنّ الدولة اختارت الطريق الأسهل ماليًا والأصعب اجتماعيًا، فبدأت من جيب المواطن بدل أن تبدأ من الملفات التي صنعت الأزمة: عقود فاسدة، أموال منهوبة، تهريب منظم، وإمتيازات سياسية مترفة. لو أنّ 750 مليار دولار التي ضاعت منذ 2003 تحوّلت إلى صندوق سيادي بعائد سنوي ثابت، لكان النقاش اليوم مختلفًا جذريًا: بدل التساؤل عن نسب كمرك الدواء وضريبة كارت الهاتف، كان يمكن للعراق أن يناقش كيفية تحرير موازنته من ابتزاز سعر البرميل، وبناء عقد ضريبي جديد يقوم على العدالة وتقاسم الأعباء، لا على تحميل الفئات الأضعف فاتورة ما ارتكبته شبكات أقوى على مدى عقدين. في النهاية، تبقى المعادلة الحاسمة في نظر الشارع بسيطة وواضحة: إصلاح بلا مواجهة حقيقية مع الفساد الكبير = جباية جديدة لا أكثر. المعادلة التي يقترحها الواقع اليوم تبدو مقلوبة: الإصلاح بدأ من حبة الدواء وكارت الهاتف، لا من مفاصل الفساد الكبرى، ولا من الامتيازات السياسية، ولا من فكرة صندوق يخبّئ رواسب هذه السنوات ويحوّلها إلى عائد مستدام للأجيال. لو انطلقت خطة الإصلاح من الأعلى إلى الأسفل – من ملفات الفساد، وفرق العملة، والمنافذ، وسلسلة الامتيازات، وصندوق سيادي يُدار بعقل مالي محترف – لكانت المعادلات السابقة قد انقلبت لصالح المواطن: ضرائب أخفّ، موازنة أكثر توازنًا، واقتصاد أقلّ ارتهانًا لمزاج سعر البرميل. ما لم يحدث ذلك، ستظل كل ضريبة جديدة تبدو في عين الشارع كأنها محاولة أخرى لتعويض ما سرقته المعادلات القديمة، بدل أن تكون خطوة في معادلة إصلاح حقيقية وعادلة. تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم
إقرأ المزيد
إقرأ المزيد


