أطماع الانفصال في اليمن: "ريموت الكفيل"!
هذا اليوم - 1/3/2026 2:40:49 AM - GMT (+3 )
هذا اليوم - 1/3/2026 2:40:49 AM - GMT (+3 )
آراء
أولى هذه المحاولات كانت في اسكتلندا، التي رأت نفسها مختلفة ثقافياً وتاريخياً عن بقية المملكة المتحدة: إنجلترا، وويلز، وأيرلندا الشمالية. وعزز هذه النزعة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. انطلق استفتاء الانفصال، وامتلأت الصفحات الأولى للصحف البريطانية والمجلات بعناوين تتحدث عن اقتراب انفصال اسكتلندا.
لكن رئيس الوزراء الاسكتلندي آنذاك، أليكس سالموند، ونائبته نيكولا ستارجن، اعترفا بالهزيمة بعد أن صوّت 55% من الاسكتلنديين لصالح البقاء ضمن المملكة المتحدة. ومع ذلك، لم تتشفَّ حكومة داونينغ ستريت، بل وعدت بتوسيع صلاحيات حكومة إدنبره.
فتحت هذه التجربة شهية الكتالونيين في إسبانيا، إذ يرون أنفسهم منفصلين ثقافياً واجتماعياً عن مدريد. أُجري الاستفتاء، ونزلت مظاهرات حاشدة، وصوّتت الأغلبية لصالح الانفصال والاستقلال، غير أن الحملة القانونية الصارمة، وغياب الاعتراف الأوروبي والدولي، أدّيا إلى سجن قادة الاستفتاء وإنهاء أحلامهم.
في كردستان العراق، كان مسعود بارزاني يتمتع بكاريزما قوية، قادراً على تحريك الجماهير التي وقفت معه في كل تحرك. بارزاني، القائد المناضل ورمز القضية الكردية، حاول توظيف هذه الشعبية في استفتاء للاستقلال.
كان “ابن الجبل الكردي” يعتقد أنه سيحصد الفوز، فيما كانت بغداد وطهران وأنقرة تترقب النتيجة لتتحرك وفق ما تقتضيه مصالحها. فشل الاستفتاء، واستقال بارزاني، وتبددت هالة الزعيم القادر على تحريك الجماهير بكلمة أو إشارة. وكان أثر خيبة الأمل واضحاً يوم التقيته في دارته بكردستان بعد ذلك بنحو عامين.
وما جرى مع أكراد العراق لا يتكرر مع أكراد إيران أو تركيا أو سوريا، حيث يطالب هذا المكون الأساسي بالديمقراطية والحقوق ضمن حدود الدول، إلى حدٍّ كبير، من دون تركيز على خيار الانفصال. وكان توقيع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي اتفاقاً في 11 مارس الماضي – بعد سقوط نظام الأسد – لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية، دليلاً واضحاً على ذلك، رغم ما يُتداول عن تحريض قوى بعينها “قسد” على الانفصال ولو تحت غطاء الفيدرالية.
في العالم العربي، لم ينجح في الانفصال سوى جنوب السودان عام 2011، ولم يكن ذلك وليد لحظة عابرة. ولولا تبني اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأميركية قضية جنوب السودان، لاستمر الإقليم في إطار حكم ذاتي من دون انفصال كامل. فشلت الحكومات المتعاقبة في الخرطوم في احتواء الجنوب، واستمرت المناوشات والحروب لأكثر من خمسين عاماً، وكان الدعم الدولي، وتحديداً الأميركي، العامل الحاسم في تسريع الانفصال وانتزاع الاعتراف الدولي.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اليوم، يحاول “الدعم السريع”، بدعم من دولة خليجية مثلاً، فرض واقع سياسي وعسكري جديد في السودان، ممولاً ومسلحاً بالطائرات المسيّرة والعتاد الثقيل، لا بهدف حكم السودان كله، بل لاقتطاع ما يمكن اقتطاعه والإبقاء عليه.
هذا السلوك دفع إلى تقارب سعودي–مصري في ملف السودان، لأن ما يحدث لا يشكل تهديداً للحكومة المعترف بها دولياً في الخرطوم فحسب، بل للأمن القومي المصري والسعودي، وللأمن العربي عموماً.
وما ترفضه الرياض والقاهرة في السودان، ترفضان تكراره في اليمن. فالمجلس الانتقالي اليمني، الذي حاولت السعودية احتواء اندفاعه بضمّه إلى مجلس القيادة الرئاسي، تحوّل إلى خنجر يُراد به طعن اليمنيين قبل أن يكون طعناً للمملكة. ولا يبدو أن رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، يتعظ بدروس التاريخ، ولا بشواهد الاستفتاءات والانفصالات في التاريخ الحديث أو القديم، التي لم تنجح حتى مع قادة تاريخيين من طراز بارزاني، مشهود لهم بالنضال والمصداقية، فكيف بشخصية طارئة على المشهد، تحاصرها الشبهات من كل جانب؟
إن تقسيم السودان مجدداً اليوم يعني فتح الباب أمام تقسيم اليمن وسوريا وغيرهما، بما يرسم مزاجاً عاماً للتقسيم في المنطقة، ويمنح الذريعة لتدخلات أخرى بالعنوان ذاته. ليبيا مثال حيّ؛ إذ تحولت إلى حكومتين لعشر سنوات، قبل أن تعود إلى خيار الوحدة الوطنية عام 2021 عبر تشكيل حكومة توافقية.
وليس من قبيل المصادفة أن تحركات القوات الخارجة عن الشرعية في السودان واليمن تتركز في مناطق الثروات الطبيعية؛ فبدون السيطرة على هذه المناطق، لا تمويل للصراع، ولا قدرة على الصمود اقتصادياً من دون وجود “كفيل” وموجّه يدفع المال ويصدر الأوامر.
المجلس الانتقالي في اليمن لا يمثل جنوب اليمن، بل هو حركة مسلحة ضمن عدة حركات. دخل حضرموت بالقوة وأُخرج منها بالقوة، واستهدافه لحضرموت والمهرة مرده إلى ما تمتلكه هاتان المحافظتان من ثروات نفطية وبحرية وغيرها. فعدن تمثل مركز عمليات لوجيستياً، لكنها ضعيفة اقتصادياً مقارنة بعدة محافظات أخرى.
وإذا كان التقسيم قدراً لا مفر منه في اليمن، فلماذا الإصرار على حضرموت والمهرة؟ ولماذا لا تُطرح فكرة تقسيم اليمن إلى أكثر من كيانين؟ ولماذا لا يُستعاد التاريخ إلى ما قبل وحدة اليمن، وعصر السلطنات، زمن الكثيري والقطيعي، التي أُدخلت لاحقاً تحت سيطرة اليمن الجنوبي بالقوة؟
أسوأ أشكال النزعات الانفصالية هي تلك التي تُفرض بإملاءات خارجية، لأن ما يأتي من الخارج يكون دائماً مشفوعاً بمصالح وأطماع لا تأخذ في الحسبان مصالح أبناء الأرض والوطن الواحد.
والأخطر أن الدول المتدخلة تتغافل عن حقيقة أن بصمات التدخل وآثاره تبقى راسخة في الذاكرة الجمعية للشعوب المستهدفة، ولا تُمحى مع مرور الزمن.
وحدة الأراضي العربية تبقى أهم من عنتريات الميليشيات ومموليها، وما يبدأ اليوم لن ينتهي غداً.
إقرأ المزيد
إقرأ المزيد


