زلزال الشرق و"تسونامي طهران".. هل يغرق العراق في فيضان "الفراغ" الإيراني المحتمل؟
هذا اليوم -
بغداد اليوم – بغداد تبدو إيران اليوم وكأنها تسير على حافة خط رفيع بين دولة مترنّحة ونظام يحاول بكل ما يملك أن يؤجل لحظة الانهيار. احتجاجات تعود إلى الشارع في موجات متتالية، عملة تتهاوى، ضغوط خارجية تتصاعد، وحديث متزايد – في الإعلام والصالونات السياسية – عن سيناريوهات سقوط أو تفكك أو إعادة تشكيل من الداخل. في الجوار، يراقب كثيرون هذا المشهد بمشاعر مختلطة: شماتة سياسية أحيانا، وأمل بسقوط خصم إقليمي أحيانا أخرى، وخشية مكتومة من أن تتحوّل فوضى طهران إلى عاصفة تعبر الحدود. فإيران بالنسبة للعراق لم تكن يوما مجرد جار؛ بل لاعب ثقيل يمسك بخيوط أمنية واقتصادية وسياسية تمتد عميقا داخل بغداد. هنا تحديدا يصبح سؤال الاحتجاجات في إيران وسيناريو سقوط النظام أو تآكله سؤالا عراقيّا بامتياز: ماذا يعني اهتزاز المركز في طهران لشبكات النفوذ المنتشرة في العراق؟ ومن سيدفع ثمن أي فراغ محتمل على الضفة الشرقية من الحدود؟ من سوق الهواتف إلى الجامعات: احتجاج يتحوّل إلى أزمة شرعية تصف العديد من القراءات التحليلية المشهد الحالي في إيران بأنه انتقال من "احتجاج اقتصادي" إلى "حراك اجتماعي – سياسي متشابك". البداية كانت من إغلاق أسواق الهواتف في طهران احتجاجا على الانهيار المتسارع لقيمة الريال، لكن النار انتقلت سريعا إلى الجامعات والمدن الكبرى، مع شعارات لم تعد تتوقف عند حدود الأسعار والدعم، بل تطعن في طريقة إدارة الدولة والعلاقة بين المجتمع والسلطة. هذا التحول ليس جديدا في التاريخ الإيراني. منذ احتجاجات الطلاب في جامعة طهران عام 1999، مرورا بالحركة الخضراء عام 2009، ثم احتجاجات البنزين عام 2019، كان الحراك الطلابي والطبقة الوسطى هما الجسر الذي ينقل الغضب من "ملف معيشي جزئي" إلى "سؤال سياسي شامل": من يحكم؟ وكيف يحكم؟ ولصالح من تُدار هذه البلاد؟ الجامعات في هذه اللحظة ليست مجرد فضاء تعليمي؛ هي إحدى الساحات القليلة التي قاومت بالكامل محاولة النظام احتواء المجال العام. ورغم كل محاولات إعادة تشكيل الأجواء الفكرية داخل الحرم الجامعي، ظلت الأفكار القادمة من تجارب الديمقراطيات الغربية والحركات الاحتجاجية السابقة حاضرة ومؤثرة، وجعلت من الطالب الإيراني فاعلا سياسيا لا يمكن تجاهله. الاقتصاد كوقود للغضب: حين تتحوّل الأرقام إلى تجربة يومية قاسية الاحتجاجات الحالية ليست منفصلة عن مسار طويل من الضغوط الاقتصادية. منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، دخلت إيران في مرحلة "الضغوط القصوى": عقوبات خانقة، عزلة مالية، تضييق على صادرات النفط، وتراجع في القدرة على جلب العملة الصعبة. ومع حرب استنزافية قصيرة لكن مؤلمة استهدفت خلالها إسرائيل البنية التحتية وقطاعات حيوية داخل إيران، تضاعفت الخسائر، ولم تعد الأزمة مجرّد ظاهرة اقتصادية قابلة للاحتواء. النتيجة على الأرض واضحة: الدولار يواصل الصعود في السوق غير الرسمية إلى مستويات غير مسبوقة. التضخم الرسمي عند مستويات مرتفعة، بينما يلمس المواطن معدلات أعلى بكثير في أسعار السلع الأساسية. الطبقة الوسطى – التي كانت تاريخيا صمام أمان اجتماعي – تتآكل بسرعة، وتنزلق شرائح واسعة منها نحو الهشاشة والفقر. في هذا السياق، لم يعد التضخم رقما في نشرات اقتصادية؛ صار تجربة يومية على موائد الإيرانيين. الأسعار ترتفع أسرع من قدرة الرواتب على التكيّف، والريال يفقد قيمته كل أسبوع، ما دفع فئات كانت تقليديا أقل ميلا للاحتجاج – كصغار التجار وأصحاب الأعمال – إلى الانخراط في أشكال من "العصيان الاقتصادي" عبر إغلاق المحال وتعليق الأنشطة. المفارقة اللافتة أن السوق، التي كانت واحدة من أعمدة التوازن التقليدي للنظام، تتحول اليوم إلى ساحة احتجاج ضد السياسات نفسها التي استفادت منها لعقود. هذا التحوّل يضرب في عمق "العقد غير المكتوب" بين الدولة وتلك الفئة الاجتماعية. من تمجيد التظاهر إلى تجريم الاحتجاج: ازدواجية السلطة حين تتبدّل المواقع هنا يظهر سؤال الباحث باسل حسين: لماذا تهرب الأنظمة من تحمّل مسؤولياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتهم كل حراك شعبي بالخيانة والمؤامرة، بينما كانت، في زمن المعارضة، تمجّد التظاهر والإضراب والعصيان المدني؟ في الحالة الإيرانية، تبدو المفارقة صارخة. فالنظام الذي يحتجّ عليه الإيرانيون اليوم، بنى نفسه على ثورة شعبية قدّم فيها الإضراب العام كممارسة أخلاقية ودينية واجبة. روح الله الخميني نفسه خاطب المضربين يوما واعتبر شلّ النظام "عملا مشروعا" و"واجبا" في وجه "الخونة المجرمين". اليوم، الكلام ذاته يعود لكن بالمقلوب: الإضراب صار "مؤامرة"، والاحتجاج صار "خيانة وطنية"، والمتظاهرون أصبحوا "أدوات للأعداء". هذا التحوّل لا يقتصر على اللغة؛ هو يكشف جوهر بنية السلطة. السلطة تشرعن العصيان حين يخدم مشروعها، وتجرّمه أخلاقيا ودينيا حين يهددها. هنا يتبدّى عمق أزمة الشرعية: النظام الذي جاء باسم "إرادة الشعب" يتبنّى، بعد عقود، خطابا يرى في الشعب ذاته خطرا ينبغي ضبطه وتفكيك حراكه. بهذا المعنى، الاحتجاجات الحالية ليست مجرد "رد فعل اقتصادي"؛ هي أيضا صدام بين وعدين: وعد ثوري قديم برفع الظلم وتحقيق العدالة، وواقع سياسي – اقتصادي يرى المواطن فيه أن تضحياته تحولت إلى امتيازات طبقة حاكمة وشبكات نفوذ اقتصادية – أمنية مغلقة. سقوط النظام ليس بالضرورة خلاصا للعراق من هذه النقطة تنتقل الباحثة هبة الفدعم إلى زاوية شديدة الحساسية بالنسبة للعراقيين: بقاء النظام الإيراني مشكلة، لكن زواله، كما تقول، قد يكون مشكلة أعظم. إيران بالنسبة للعراق ليست دولة جوار عادية؛ هي، منذ بابل وآشور، جغرافيا صدام ممتدة، وقوة توسعية سعت ولا تزال إلى الهيمنة على العراق والتغلغل في مفاصله. ومع ذلك، انهيار الأنظمة في الشرق الأوسط لم يبق محصورا داخل الحدود. فلول الأنظمة، وأجهزتها، وميليشياتها، غالبا ما انزلقت إلى الجوار الأضعف، بحثا عن ملاذ أو ساحة بديلة. في هذا الحساب، لن يكون المتضرر الأول من انهيار محتمل في إيران دول الخليج – التي تمتلك قدرة عالية على تحييد ارتدادات الفوضى – ولا سوريا التي تُقدَّم هنا كدولة قادرة على امتصاص الصدمات بدعم حلفائها؛ بل سيكون العراق، مرة أخرى، هو الحلقة الأضعف. تذكّر الفدعم بأن طهران لم تراهن على بقاء نظامها فقط، بل استثمرت، طوال عقدين، في بناء نفوذ عميق في بغداد "تحت قبة البرلمان، وبأطر قانونية ورسمية"، عبر فصائل مسلحة، وأحزاب، وشبكات اقتصادية، وواجهات اجتماعية. هذه الشبكات صُممت بحيث تبقى فاعلة حتى لو ضعُف المركز في طهران أو تغيّر شكله. الأخطر، كما تشير، أن سقوط النظام – إذا حدث – سيحوّل وكلاءه في العراق من "ذراع خارجية" إلى "قضية داخلية محضة". عندها لن يُنظر إليهم كامتداد لمشروع إقليمي بقدر ما سيُعاد تصنيفهم ضمن مشهد الفساد المحلي وسوء الإدارة المزمن. التحوّل في التصنيف لا يعني بالضرورة تراجع الخطر؛ بل ربما يصبح أكثر تعقيدا، لأنه يتحول من ملف خارجي يمكن التفاوض حوله إلى نزاع أهلي يصعب ضبطه. بين ضغوط الخارج وهشاشة الداخل في قراءته لمسار الاحتجاجات الأخيرة، يرسم فراس إلياس صورة مركّبة لأزمة النظام الإيراني، تقوم على تداخل عدة عوامل: ضغوط عقوبات "الضغوط القصوى" منذ 2018. آثار ضربات عسكرية استنزافية استهدفت قطاعات حيوية داخل إيران. انهيار العملة وتآكل الطبقة الوسطى، مع تحوّل السوق من شريك إلى محتج. حراك طلابي متنامٍ يستعيد إرث 1999 و2009، ويتسلح بخطاب أكثر جرأة ورفضاً لأسس النظام نفسه. ويشير إلياس إلى أن السلطة تحاول إدارة الأزمة بخطاب مزدوج: رئاسة تسعى إلى امتصاص الغضب عبر الحديث عن الحوار والإصلاح، وتقديم قرارات مثل تغيير بعض المسؤولين أو الوعد بإعادة ضبط الدعم. ومؤسسات أمنية وبرلمانية تحذّر من الفوضى وتلوّح بسيناريو "المؤامرة الخارجية" و"استغلال الأعداء" للحراك، وتبقي خيار القبضة الحديدية جاهزا على الطاولة. هذا التوزيع في الخطاب لا يعني بالضرورة انقساما حادا في النظام، بقدر ما هو توزيع أدوار بين "الاحتواء" و"الردع". لكن في العمق تبقى الأزمة داخلية: العقوبات تضغط، نعم، لكنّها تعمل فوق اقتصاد هش، غير شفاف، يهيمن عليه الحرس الثوري وشبكات اقتصادية مغلقة. هل يسقط النظام؟ ثلاثة مسارات وسيناريو العراق عندما نطرح سؤال "هل يسقط النظام الإيراني؟"، لا نسأل فقط عن حكومة أو رئيس؛ بل عن بنية متشابكة: مؤسسات أمنيّة وعسكرية، أيديولوجيا ثورية، شبكة مصالح اقتصادية، ونفوذ إقليمي ممتد من العراق إلى لبنان واليمن. يمكن تلخيص المسارات المحتملة – مع الحذر من أي يقين حاسم – بثلاثة اتجاهات كبرى: 1. مسار الاستنزاف الطويل وهو الأكثر انسجاما مع تاريخ الأنظمة في المنطقة: احتجاجات تتكرّر على موجات، تنازلات اقتصادية مؤقتة، قمع انتقائي، وإعادة إنتاج للنظام بصيغ جديدة، مع المحافظة على جوهره الأمني – الأيديولوجي. في هذا السيناريو، تعود الحياة اليومية إلى نوع من "الاستقرار المتوتر"، لكن جذور الغضب تبقى حية، وتتحول إيران إلى دولة تعيش على حافة انفجار دائم. بالنسبة للعراق، هذا السيناريو يعني استمرار وضع مألوف: نظام إيراني ضعيف اقتصاديا لكنه حاضر أمنيا، يواصل استخدام العراق كعمق استراتيجي لالتقاط أنفاسه، عبر الفصائل والسوق والنفوذ السياسي. 2. انفجار مفاجئ وسقوط متسارع هنا تتقاطع عوامل عدّة: استمرار الانهيار الاقتصادي دون قدرة على ضبط التضخم وسعر الصرف. توسّع الاحتجاجات جغرافيا وطبقيا، مع انخراط فئات جديدة كعمال النفط والمعلمين وموظفي الدولة. حدوث شرخ داخل مؤسسات القوة بين جناح يميل للقبضة الحديدية وآخر يرى أن الكلفة لم تعد محتملة. في هذه الحالة، قد نشهد انهيارا متسارعا يشبه – مع اختلاف السياق – ما حدث في أنظمة أخرى حين فقدت السيطرة على الشارع وعلى جزء من أجهزتها. بالنسبة للعراق، هذا السيناريو هو الأكثر خطورة كما تحذّر هبة الفدعم؛ إذ قد تتدفق شبكات النفوذ الإيرانية، بما تحمله من سلاح وأموال وملفات فساد، لتبحث عن إعادة تمركز داخل العراق، وتتحول من "أداة نفوذ خارجي" إلى "فاعل داخلي منفلت"، في بلد يعاني أصلا من هشاشة مؤسسات الدولة وتعدد مراكز السلاح والقرار. 3. انتقال تفاوضي وإعادة تشكيل من داخل النظام السيناريو الأقل وضوحا لكنه غير مستبعد يقوم على صفقة داخلية – خارجية: جزء من النخبة يقرّر إعادة صياغة قواعد اللعبة، ربما عبر: الحفاظ على الإطار الأيديولوجي العام مع تحرير أكبر للاقتصاد، على طريقة مزج "سوق منفتح" مع "قبضة سياسية صارمة". أو فتح محدود للمجال السياسي مع بقاء "عمود فقري" أمني للحرس الثوري. في هذه الحالة قد لا يسقط النظام بمعناه البنيوي، لكنه يتغيّر شكله، وينكمش طموحه الإقليمي، ويصبح أكثر انشغالا بترميم الداخل. بالنسبة للعراق، قد يعني هذا تحولا تدريجيا من "تغوّل مباشر" إلى نفوذ أقل صلابة وأكثر اعتمادا على أدوات سياسية – اقتصادية ناعمة، مع استمرار وجود الفصائل، لكن ضمن صيغة تفاوض طويلة مع بغداد والقوى الدولية. ما الذي يعنيه كل هذا لصانع القرار العراقي؟ إذا افترضنا أن إيران تتّجه – مهما كان المسار – إلى مزيد من الهشاشة الداخلية، فإن العراق أمام مجموعة أسئلة استراتيجية لا يمكن الهروب منها: كيف يتعامل مع شبكات النفوذ المرتبطة بإيران داخل حدوده إذا فقدت مرجعيتها المركزية في طهران، وتحولت إلى "لاعبين أحرار" يفاوضون على مصالحهم الخاصة؟ ما مستقبل التوازن بين الدولة والفصائل في حال تراجع الدعم المالي والعسكري الإيراني، أو تكسّر الهرم القيادي الذي يدير هذا النفوذ عبر الحرس الثوري؟ كيف سيُدار ملف الحدود، وتهريب السلاح، وحركة الجماعات المرتبطة سابقا بطهران في حال حدوث فوضى في المحافظات الإيرانية القريبة من العراق؟ وما هو موقف بغداد إذا تحوّلت إيران إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى دولية – إقليمية، مع احتمال استخدام الأراضي العراقية مرة أخرى كمنصة أو ساحة نفوذ متقدّمة؟ هذه الأسئلة لا تملك اليوم إجابات جاهزة، لكن المؤكد أن النظر إلى سقوط النظام الإيراني – إن حدث – بوصفه "خلاصا تلقائيا" للعراق سيكون تبسيطا خطيرا. كما أن الرهان على بقاء النظام بصورته الحالية، من دون إصلاحات بنيوية تقلّل من اندفاعه الإقليمي، يحمل في طياته استمرار استنزاف العراق كجبهة متقدمة لصراع لا ينتهي. بين رغبة السقوط وواقعية الجغرافيا "نحن أمام نظام مهترئ ومتآكل"؛ هذا الشعور يتقاسمه كثيرون داخل إيران وخارجها، لكن هذه الحقيقة لا تلغي حقيقة أخرى: إيران، بكل ما تمثّله من ثقل سكاني وعسكري وجغرافي، ليست دولة يمكن أن تسقط دون أن تهزّ معها الإقليم بكامله، وفي مقدمته العراق. الاحتجاجات المتصاعدة اليوم، والضغط الاقتصادي الخانق، وازدواجية الخطاب الرسمي تجاه الشارع، كلها عناصر تضع النظام الإيراني أمام اختبار تاريخي جديد. لكن سقوطه – إن حُسم في لحظة ما – لن يكون مشهدا احتفاليا بسيطا، بل بداية سلسلة ارتدادات قد تجعل العراق مرة أخرى ساحة لتصفية الحسابات، بين بقايا مشروع إقليمي يتداعى، وقوى دولية تبحث عن موطئ قدم في فراغ جديد. لهذا، يبدو أن السؤال الأهم بالنسبة للعراق ليس: "هل يسقط النظام الإيراني؟" بل: "كيف نستعد لأيّ من السيناريوهات الثلاثة: بقاء مستنزِف، أو سقوط فوضوي، أو انتقال تفاوضي؟"؛ لأن الجغرافيا، كما يثبتها التاريخ، لا ترحم الغافلين، وارتدادات ما يجري شرق الحدود لن تقف عند لوحات العبور البرية، بل ستطرق أبواب السياسة والاقتصاد والأمن في بغداد، شاء اللاعبون المحليون أم أبوا. تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

إقرأ المزيد