آراء على مدى الأشهر الماضية انشغل المرشد الأعلى بمحاولة ترميم القواعد الشعبية للسلطة عبر اعتماد خطاب مختلف يحاول تقديم صورة جديدة عن النظام، لم يكن ليظهر في موافقها لولا المعادلات الجديدة التي فرضتها تداعيات المعركة التي خاضها النظام في مواجهة الهجوم الإسرائيلي - الأميركي المشترك ضده في يونيو (حزيران) الماضي، فتخلى عن تمسكه الدائم بالبعد الأيديولوجي لطبيعة النظام، وغابت عنه مصطلحات مثل "الثورة الإسلامية" و"النظام الإسلامي" و"المقاومة أو المواجهة" بما هي عمق إستراتيجي له، لمصلحة خطاب تسيطر وتهمين عليه لغة سياسية مختلفة تسعى إلى استنهاض البعد الوطني والقومي لدى الشعب الإيراني، ليكون قادراً من خلاله على نقل أهداف الضربة الإسرائيلية من معركة لإنهاء النظام وإضعافه إلى معركة لاستهداف إيران وسيادتها ووحدة أراضيها، وإدخالها في حروب داخلية وأهلية وقومية وعرقية. ترتيب البيت الداخلي الذي انغمس فيه المرشد الأعلى تركز وتمحور على البعد العسكري والأمني وإعادة بناء قدرات النظام العسكرية والصاروخية والأمنية، لسد الفجوات التي كشفتها المعركة مع إسرائيل، تاركاً الدولة تواجه تصاعداً في حدة الحرب التي يشنها التيار الراديكالي لإضعافها ومحاصرتها وتحميلها المسؤولية عن المسار الطويل للفشل المتراكم الذي ورثته من الحكومات السابقة، بخاصة حكومة إبراهيم رئيسي الذي يعد النموذج المطلوب والمحبب للتيار الراديكالي، والجماعات التي تعتاش على العقوبات والأزمات الاقتصادية على حساب الصالح العام لإيران ومواطنيها. انفجار الشارع الإيراني، وإن كان في هذه المرحلة قد اتخذ طابعاً مطلبياً لشريحة التجار "البازار"، لكنه قد لا يكون مفاجئاً لبزشكيان وحكومته وإدارته، فهو كثيراً ما صُوّب خلال الأشهر الأخيرة إلى حجم العراقيل والعصي التي يضعها المعتاشون على العقوبات أمام المعالجات الجدية للاقتصاد، وأزمات العجز في ميزان تأمين الطاقة والغاز والمياه والزراعة والتجارة، ولم يسمح له بتشكيل فريق اقتصادي منسجم أثبتت التجارب السابقة قدرته على إدارة الملف الاقتصادي في ظروف مشابهة من الضغوط والعقوبات. وعلى عكس التجارب السابقة التي لجأ فيها النظام لاستخدام أقسى أنواع العنف والقتل في مواجهة التظاهرات والاعتراضات المطلبية والسياسية، سواء عام 2009 فيما عرف بـ "الحركة الخضراء"، أو في زمن الرئيس السابق حسن روحاني بعد قرار رفع أسعار المشتقات النفطية، فإن التعامل مع التحرك المطلبي الذي فجره الانهيار غير المسبوق في أسعار العملية الوطنية كان مختلفاً، ولم يلجأ إلى خيار المواجهة والعنف بل ذهب إلى الاحتواء وقطع الطريق على توسعه، باعتماد إجراءات سياسية وحوار مباشر بين المؤسسة الرسمية للدولة وممثلين عن هذه القطاعات المعترضة. وفي ظل عدم امتلاك بزشكيان القرار الأمني فإن تراجع هذا الخيار في مواجهة موجهة الاعتراض هذه لا شك في أنه صدر بتوجيه من المرشد الأعلى الذي يملك قرار تحريك هذه الأجهزة، باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو قرار ناتج من حجم المخاوف التي لمسها المرشد وقيادة منظومة السلطة من انفجار عام في الشارع خلال هذه اللحظة المفصلية التي تشهد محاولات لإعادة ترميم القدرات العسكرية، والاستعداد لإمكان حصول حرب جديد أكثر قسوة ولا تقتصر أهدافها على إضعاف النظام بل تهدد بقاءه واستمراره، خصوصاً أن هذا الحراك تزامن مع انعقاد القمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعلى جدول أعمالها التهديد الآتي من النظام الإيراني وأذرعه الإقليمية وبخاصة "حزب الله" اللبناني. يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وفي المقابل فإن الإجراء الذي اعتمده بزشكيان بتكليف وزير الداخلية بالاستماع إلى مطالب المعترضين، ولاحقاً لقاءهم مباشرة والاستماع إلى مطالبهم، واتخاذ خطوات تخفف من الأعباء المالية وتسهم مرحلياً في الحد من تداعيات الانهيار المالي، يكشف عن أن الرئيس يحاول تكريس مسار جديد في العلاقة بين المؤسسة الرسمية والمواطن، لا تقوم على استعدائه أو اتهامه بالعمالة وتنفيذ أجندات خارجية ومخططات أعداء الثورة لإسقاط النظام والقضاء على الإسلام، ويبدو أنه استطاع كبح جماح الجماعات المتطرفة التي كانت ترغب في الوصول إلى نقطة الصدام الذي يحقق لها أهدافها بإسقاط بزشكيان وتياره، وتعيد فرض رؤيتها على النظام والمرشد الذي يعمل على التجاوب مع توجهات الرئيس، من باب الإحساس بحجم الأخطار التي يواجهها النظام، وانطلاقاً من مصلحة الأمن القومي مثلما حصل في مسألة تعليق العمل بقانون العودة إلى فرض الحجاب الإجباري. قد يكون بزشكيان ومعه المرشد بدعم من وراء الكواليس نجحا في تأجيل الانفجار الداخلي، لكن إطفاء فتيله أمامه تحديات تبدأ بتحول منظومة السلطة إلى عامل مساعد للحكومة من أجل العبور منها، عبر استعادة الدولة ومؤسسات الثقة الشعبية بقدراتها على المعالجة، والتي تشترط أن تتخلى المؤسسات العسكرية والأمنية والمعتاشون على العقوبات والأزمات المعيشية عن الإمساك بالملف الاقتصادي والاستئثار به خدمة لمصالحها الخاصة والفئوية، وتفتح الطريق أمام معالجات جذرية قد تكون متأخرة. الجهود التي تذلها الحكومة الإيرانية ومن ورائها منظومة السلطة لاستيعاب الحراك المطلبي وضعت النظام في سباق مع الزمن وحتمية الحفاظ على توازنه، بين حبلي الخطر الداخلي وتصاعد التهديد الخارجي، حتى لا يجد نفسه بين خيارين صعبين ومعقدين، إما انفجار الشارع من جديد مما يضطره للعودة لسياسة القمع والعنف، وإما الذهاب إلى المبادرة لحرب استباقية تعيد خلط الأوراق على جميع اللاعبين، ولعل المناورة الصاروخية التي أُعلنت في غرب إيران بعد عودة الهدوء النسبي لشوارع طهران هي بمثابة رسالة للخارج الأميركي والإسرائيلي من تداعيات أي تدخل في الاستقرار الداخلي، والذي يجعل المبادرة إلى الخيار العسكري أمراً لا مفر منه للنظام، بخاصة أن المؤشرات الآتية من اجتماع مارا لاغو بين ترمب ونتنياهو قد تدفع لترجيح هذا الخيار.


