لماذا لم يهتم الروائي العربي بهذا الدين العالمي الجديد؟
هذا اليوم - 1/1/2026 2:00:36 AM - GMT (+3 )
هذا اليوم - 1/1/2026 2:00:36 AM - GMT (+3 )
آراء
وأمام هذا السلوك الجنوني الذي تفرزه لعبة كرة القدم على أتباعها في جميع أركان الدنيا وفي كل الأعمار، من الطفولة وحتى الـ 60 سنة، وعلى الجنسين الذكور والإناث، أمام ذلك تحولت هذه اللعبة إلى استثمار اقتصادي مربح وسوق يصعب التحكم فيها، فلقد تحولت كرة القدم إلى منجم تجاري استهلاكي لا مثيل له، فالمداخيل المباشرة وغير المباشرة الناتجة من نشاطات هذه اللعبة لا تقدر، وهي في تصاعد جنوني لافت، فقد نشأت على أطراف ملاعب كرة القدم آلاف الشركات التي تحصد المليارات من الدولارات، والتي تنشط في الإشهار والمأكولات والألبسة الرياضية وغير الرياضية والسياحة و الأحذية والسيارات وشركات النقل والهواتف الذكية.
تكاد تكون كرة القدم أكبر حتى من الدِين، فكثير من القنوات التلفزيونية في البلدان العربية والإسلامية درجت على قطع برامجها مهما كانت أهميتها برفع الأذان حين يحين موعده، إلا في حال واحدة وهي بث مباراة رياضية مميزة، إذ تكتفي القناة بكتابة عبارة "حان موعد الصلاة بحسب توقيت منطقة معينة"، والأغرب من كل ذلك ألا أحد يحتج أو ينتقد.
إن المتتبع لطبيعة سيكولوجية جمهور كرة القدم القريبة عادة من "حال الهوس" وقت متابعة مباراة معينة، تشبه حال الهوس التي تبدو على بعض متابعي حفلات نجوم موسيقى الراي والراب والجاز، وهي أيضاً شبيهة بحال الانفعال التي تظهر على متابعي خطب بعض النجوم السياسية الدينية، إذ يبدو مشاهد كرة القدم ومتابع مغني الراي ومتابع خطيب في حزب الإسلام السياسي متشابهين سيكولوجياً إلى حد كبير.
إن نجوم الموسيقى بجمهورهم، بخاصة موسيقى الراي والراب والجاز، ونجوم الدين السياسي من الدعاة بأتباعهم، يمثلون استثماراً اقتصادياً شبيهاً إلى حد كبير باقتصاد جمهور كرة القدم، فمن وراء الموسيقى والدين السياسي تمتلئ جيوب كثيرة وتدور شركات عدة برؤوس أموال ضخمة وعابرة للقارات في الخفاء والعلن، شركات متنافسة في الممنوعات والمسموحات على حد سواء.
ولأن الأنظمة السياسية في العالم العربي والمغاربي تدرك الارتباط الهوسي لمواطنيها بكرة القدم وموسيقى الراي والدين السياسي، وتدرك جيداً بأنها مجالات مهمة للاستثمار السياسي، فقد عملت على بناء ملاعب ضخمة وقاعات رياضية مميزة تحتضن المباريات الرياضية والحفلات الموسيقية على حد سواء، وبنت كذلك مساجد كبرى في كل المدن للتحكم في الانفلات السياسي المستثمر في الدين وتوجيهه، فبقدر ما تشكل هذه المجالات الثلاثة استثماراً اقتصادياً لدى الشركات التجارية فإنها تمثل استثماراً سياسياً كبيراً لدى الأنظمة السياسية، فمن خلالها يجري توجيه الرأي العام وصناعته، والغريب في الأمر إذا كان رجل الاقتصاد قد استثمر في كرة القدم، وكذلك رجل السياسة ورجل الدين، إلا أن الأديب في بلداننا العربية والمغاربية ظل مترفعاً عن التعامل أدبياً مع هذه اللعبة الشعبية المجنونة، فعلى رغم كل هذا الحضور لكرة القدم في حياة المجتمع والفرد لكنها لا تحظى بمكانة بارزة في الأدب الروائي، إذ يبدو الكتّاب والأدباء على قطيعة مع كرة القدم على مستوى الكتابة، مع أن كثيراً منهم قد تجدهم في حياتهم اليومية من عشاق هذه اللعبة، ولكن هذا العشق لا يظهر في الكتابة الروائية.
وعلى رغم وجود نواد كثيرة ولها ملايين المتابعين في مصر والجزائر وتونس والسعودية والمغرب والأردن والسودان وسوريا واليمن وقطر والإمارات والكويت والعراق وفلسطين وغيرها، فإن روائيي هذه البلدان من نجيب محفوظ إلى الطيب صالح إلى الطاهر وطار إلى حنا مينه إلى عبدالرحمن منيف إلى محمود المسعدي إلى محمد زفزاف إلى نبيل سليمان إلى خليل صويلح إلى جبرا إبراهيم جبرا إلى إسماعيل فهد إسماعيل إلى عبدالحميد بن هدوقة إلى سيف الرحبي إلى طالب الرفاعي، لم يعتنوا بهذه اللعبة الخطرة سياسياً وسيكولوجياً واجتماعياً واقتصادياً في كتاباتهم، ولقد اهتم كثير منهم بظاهرة الدين السياسي وظاهرة الموسيقى لكنهم لم يولوا الاهتمام المطلوب لكرة القدم.
لماذا هذا التجاهل أو هذا الترفع؟ أعتقد بأن كثيرين لم يدركوا حجم التأثير المهول لهذه اللعبة الرياضية الشعبية في تشكيل الوعي السياسي والأيديولوجي وتزييفه في الوقت نفسه، وبالتالي ظلت نظرة الروائي العربي والمغاربي إلى كرة القدم نظرة محافظة لم تتسلح بالسؤال الفلسفي الذي يفكك اللعب كبعد اجتماعي واقتصادي وسياسي وسيكولوجي خطر جداً على الفرد والمجموعة، ومع ذلك فهناك استثناءات في الأدب الروائي، فألبير كامو (1913-1960) الذي لعب حارس مرمى في الفريق العريق لكرة القدم وهو اتحاد الجزائر قال يوماً إن "كل ما أعرفه عن الأخلاق تعلّمته من كرة القدم"، ويمكننا الوقوف على بعض النصوص الروائية التي قاربت لعبة كرة القدم واعتبرتها ممارسة شعبية سياسية مؤثرة في صناعة الوعي التاريخي، ويبدو الروائي رشيد بوجدرة واحداً من الذين انشغلوا واشتغلوا على لعبة كرة القدم في أكثر من رواية، في روايته "الفائز بالكأس" التي نشرها عام 1981 وصدرت بالفرنسية عن "دار دونويل" في فرنسا، إذ تتابع الرواية بذكاء حاد ووصف دقيق استثمر في جماليات التعليق الرياضي وقائع المباراة التي جمعت في ملعب كولومب بفرنسا بين فريقي تولوز وأنجي في الـ 26 من مايو (أيار) 1957 خلال مباراة النهائي، ومن خلال متابعة اللعب تتابع عين الروائي السارد حضور مناضل جزائري يجلس في المدرجات ويراقب بدقة أحد خونة الثورة المعروفين والأساسيين المتعاملين مع الإدارة الفرنسية الاستعمارية والذي يتابع هو الآخر المباراة، وتجري تصفيته بعد نهاية المقابلة، فعلى إيقاع التنافس بين الفريقين الكرويين هناك تنافس آخر بين الثورة من جهة والاستعمار وعملائه من جهة أخرى على من يكسب رهان التاريخ.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإذا كان رشيد بوجدة في "الفائز بالكأس" قد كتب المقاومة ضد الخيانة في زمن ثورة التحرير، فقد عاد مرة أخرى لموضوع كرة القدم خلال فترة التسعينيات، حين كان الإرهاب يضرب عمق الدولة الجزائرية ليكتب نصاً روائياً جميلاً وحاداً بعنوان "الحياة في المكان المناسب" صدرت عام 1997 عن "منشورات غراسيه" بباريس، وفيه يتابع شخصية ياماها، أحد مشجعي فرقي "شباب بلكور" الجزائر العاصمة والذي يغتاله الإرهاب، والرواية وبروح فلسفية تكتب محاربة الفرح الشعبي من قبل الجماعات المتطرفة.
وبمقاربة تاريخية هوياتية يكتب الأديب الفلسطيني إياد برغوثي روايته "بردقانة" الصادرة عن "دار الآداب" عام 2014، والتي يتابع فيها سيرة مدرب فريق كرة القدم في عكّا المدرب فايز، إذ يضعنا الروائي في فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، وفيها يستعرض الواقع الاجتماعي قبل النكبة من خلال كرة القدم، وتعد الرواية تأريخاً لكرة القدم في فلسطين، ويبدو أن الكاتب اعتمد على مجموعة من الوثائق في كتابة هذا النص.
أما في رواية "باغندا" لشكري المبخوت الصادرة عام 2016 عن "دار التنوير" فيعود الروائي لتتبع حياة اللاعب باغندا وقضية اغتياله في ظروف صراع كانت تعيشها تونس، ما بين قوى السلطة التي كان يقودها زين العابدين بن علي وزير داخلية في عهد الرئيس بورقيبة من جهة، والإسلاميين من جهة أخرى، والذين كانوا يروون بأنه قاب قوسين أو أدنى من السلطة، فالرواية بقد ما تبحث قضية اغتيال باغندا، الماسة السوداء ونجم كرة القدم، إلا أنها تفكك تفسخ المجتمع السياسي والاجتماعي والأمني في تونس أواخر الثمانينيات وبالضبط عام 1987.
لقد شغلت لعبة كرة القدم العالم برمته أكبر من أية لعبة رياضية أخرى، من المواطن البسيط إلى السياسي إلى المفكر إلى رجال المال والأعمال، فقد كان الرئيس الأسبق أحمد بن بلة (1916-2012) أول رئيس للجزائر المستقلة لاعباً في فريق مدينته مغنية، ولعب أيضاً مع فريق مارسيليا الفرنسي الشهير "أولمبيك مارسيليا" في دورة (1939-1940)، واهتم الروائي والسيمولوجي الإيطالي أمبرتو إيكو (1932 - 2016) بكرة القدم التي كان يراها "كنظام سيميائي (دلالي) يُستخدم أحياناً كأداة من وسائل الإعلام"، ومع ذلك لم تهتم نخبنا الأدبية الروائية بهذه اللعبة الشعبية التي أصبحت دِيناً عالمياً جديداً، مما يدل على أن هناك خللاً ما في علاقة الكتابة السردية العربية والمغاربية بمحيطها الشعبي الاجتماعي والسياسي.
إقرأ المزيد
إقرأ المزيد


